لما كان ذلك كذلك، فلم يكن عجيبًا أن يترك تنوعات إيقاعه ليحكم فيه العرف العلمي السائد، فيصمتها بالعيب والنقيصة، حتى إن أبا عبد الله محمد بن عمران المرزباني يقول في شأن ما سمي بعيوب القافية:"هو غلط من العرب ولا يجوز لغيرهم". وعبارة المرزباني، على ما فيها من إحالة وتناقض، هي صورة صادقة لما ألزم به الشعر، في مستواه الفصيح نفسه من تقاليد فنية، منذ أن كانت معلقات الجاهليين، إلى أن اتصلت أسباب الشعر العربي الحديث بالشعر الأوروبي. أما الشعر الذي حمل الطابع الشعبي، من"زجل ومواليًا وتوشيح وقومًا وكان كان ودوبيت".. فقد كان أقل خضوعًا لهذه التقاليد الصارمة، وإن ظلت سطوة الشعر الفصيح عليه قائمة لا تتحلحل؛ لذلك لم يكن عجبًا أن تورث هذه السطوة المتطلعين إلى التحديث من الشعراء والنقاد ثورة وتمردًا. وكان لتقاليد القافية المتزمنة من هذه الثورة نصيب موفور فدعا طائفة منهم إلى نبذ القوافي، وشجعهم على ذلك شيوع الشعر المرسل في الآداب الأوروبية.
وقام الباحث بتعريف القافية فقال: إن للقافية، في المصنفات العروضية، تعريفات تنصرف إلى القافية العربية بخصوصها، فقد عرّفها ابن عبد ربه بأنها حرف الرويّ الذي يبنى عليه الشعر، وقال الأخفش بأن القافية آخر كلمة في البيت أجمع. أما التعريف المعتمد عند الجمهور، فهو قول الخليل بن أحمد، الذي عرّف القافية بأنها"الساكنان اللذان في آخر البيت مع ما بينهما من الحروف المتحركة ومع المتحرك قبل الساكن الأول".
وانتقل الباحث للحديث عن القافية، في نظرية الخليل بن أحمد، الواضع الأول لعلم العروض والقافية، وأشار إلى أن ثمة ما يشبه الإجماع بين القدماء والمحدثين، على أن القافية قسيم جوهري للوزن في تشكيل موسيقى القصيدة العربية، وقد تجلت هذه الأهمية في نظرية الخليل.
وأبرز الباحث، في رصده لنظرية الخليل بشأن القافية، عدة أمور، منها: