ومن النماذج الشعرية التي قدمها المحاضر، تدليلًا على استخدام الخيال في الشعر أو ما أطلق عليه هو"التكاذيب"، قول زيد الخيل واصفًا معركة اشترك فيها:
وجمع كمثل الليل مرتجس الوغى
وقد علق عليه قائلًا: هذا الجمع الكثيف (الذي تخيله الشاعر) والذي يمثل الليل يرتجس ويرعد بالوغى ويسرع بالبادرة وتتوالى هجماته بكثرة وإرهاب، تجعل النهار ليلًا، وتسد أفق الشمس.. هذا الجيش الليلي الضارب لم يكن في الحقيقة سوى ثلاثة خيول من بينها فرس الشاعر -كما يروي المبرد -. وهذه حقيقة لا تمكّن الشاعر من أن يقول شعرًا، لو أنه اختار الصدق في القول، ولكنه -لكي يقول شعرًا -لا بد له من اختلاق حكاية من التكاذيب، تمنحه مادة شعرية، وتغذي لغته بالخيال والتمثيل، فيملأ فراغ الواقع بتكاذيب اللغة، وتكون التكاذيب مادة الشعر وروحه، على عكس الصدق والواقع اللذين ينافيان الشاعرية هنا (!!) . ... أو كان لو علم الكلام مكلمي
ومثال آخر قدمه من شعر عنترة العبسي، حيث قال، في إحدى قصائده، مخاطبًا فرسه:
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى
والشاعر هنا يتخيل لو أن الفرس حاوره أو كلمه لكي يشتكي إليه حاله، ولكن الدكتور المحاضر يذهب بعد قراءته للنص، إلى أن المحاورة وعلم الكلام (اللذين ينقصان الفرس) هما صفتان للغة العلمية، لغة برهان والعقل والحجة؛ أي لغة الواقع ولغة الصدق. ثم ينتهي إلى نتيجة مؤداها أن هذا النوع من اللغة (لغة الواقع والصدق) ليس ضروريًا في الشعر!! ... بصبح وما الاصباح منكَ بأمثل
وأضاف قائلًا: من هذا نرى أن العربي قد جعل الأشياء تتكلم بما فيها الجماد والحيوان الأعجم، وقام هو بالتحدث إليها ومخاطبتها، كما فعل امرؤ القيس الذي تخيل الليل حيوانًا له صلب وصدر، يحاول أن يداهمه بجسده الضارب، عندما قال مخاطبًا الليل:
ألا أيها الليلُ الطويل ألا انجلِ