ولكن بعض الشعراء في القرنين الثالث والرابع كانوا يصطنعون في شعرهم لغة البدو أحيانًا، فيستعملون معاني وصورًا وكلمات مهجورة. إن سلوك هذا النهج يجعلهم خارج عصرهم ويبعدهم عن ذوق جمهورهم. ذلك أن لكل عصر بلاغته وثقافته. وليس لشاعر أن يرتد عن منحى التعبير اللغوي في المرحلة التي بلغها مجتمعه لأن نتاج الشاعر المتكلف سوف يكون محصلة الخلط بين عصرين وثقافتين تؤدي إلى سوء تفاهم بين الشاعر وعصره.
وقد ذكر الجرجاني في"عمود الشعر"أن العرب"لم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة ولا تحفل بالإبداع والاستعارة"لأن هذه العناصر تطورت مع تطور حياة العرب في المدن. ودخول هذه العناصر التزيينية أدى إلى الخلاف حول نسبة وجودها. فالإكثار من الاستعارة أو المبالغة في معانيها أو التعمق الفلسفي في معنى من المعاني إنما يشوه الشعر، بمعنى أنه يخلق عقبات بينه وبين المتلقي لذلك كانت دعوة الجرجاني -ومن قبله الجاحظ- ملحة إلى تبني"النمط الأوسط من الأسلوب". هذا النمط الأوسط هو المحصلة بين التراث وروح العصر، فهو ليس محصلة جمع تؤدي إلى رقم ثابت جامد وإنما هو نسبة متغيرة يعود حق إقرارها إلى الجمهور والنقاد.
فكل تجديد معياره"قبول النفس ونفورها.. وسكون القلب ونبوه".
هذه هي نظرية الشعر العربي كما تبلورت إلى نهاية القرن الرابع الهجري. وقد أصبحت مرجعًا معتمدًا للنقاد في القرنين الخامس والسادس، بحيث نجد أن أحمد ابن محمد المرزوقي (9) (-421-1030م) يشرح مبادئ عمود الشعر ويطبقها على كتابه"شرح ديوان الحماسة". كذلك فإن الناقد التونسي ابن رشيق القيرواني (-456هـ-1063م) أورد مبادئ عمود الشعر واعتمد عليها في كتابه الشهير"العمدة في صناعة الشعر ونقده" (10) ، وهو كتاب كان له أثر كبير في توجيه الحركة النقدية في شمال أفريقية والأندلس.