فهرس الكتاب

الصفحة 1040 من 23694

"ولست أعني بهذا كل طبع، بل المهذب الذي قد صقله الأدب، وشحذته الرواية، وجلته الفطنة، وألهم الفصل بين الرديء والجيد، وتصور أمثلة الحسن والقبح".

إن تصور أمثلة الحسن والقبح ليس عملية تخيل مجانية، لكنما هي إجراء نقدي دقيق وصعب، عليه يعتمد الناقد عند إصدار الحكم. لأن هذا التصور يقوده إلى سورة الطرب. فمن جهة نجد أن الأثر الفني يملك القدرة على التجلي والاستحضار دلالة على أن له وجودًا قائمًا بذاته، ومن جهة أخرى فإن نفس المتلقي (ذات الطابع المصقول بالآثار الفنية السابقة) لديها القدرة هي الأخرى على تحويل المعاني والإيقاعات وتناسب الأبيات وتساوق التشبيهات إلى صورة تتصف بالحسن أو الشناعة، على مقدار إسراع القلب إليها وإقبال النفس عليها.

ولعل الجرجاني، بعد أن أجاد طرح هذه القضية المربكة وجلا غوامضها، كان يريد أن يفتح فرجة يمكن أن يتسرب منها الإبداع والنقد وراء الباب الذي يسده القانون الجمالي السائد. فالقصيدة الحلوة التي تدخل إلى قلب الناقد المهذب الطبع، هي قصيدة خالفت التقاليد الشعرية المألوفة لتخترع لنفسها توازنًا جديدًا يتلقاه الناقد بصدر مفتوح لأنه يرى فيه نمطًا أوسط جديدًا ناتجًا عن جبل التراث القديم والجاهلي مع الفنون المستحدثة بنسب جديدة، كما فعل المتنبي بتراث المحدثين والجاهليين حين أبدع شعره العظيم المبتكر.

وبذلك يكون الجرجاني قد حفظ حقه، ومنح المحدثين اعترافه بجهودهم للتجاوب مع التغير الحضاري الذي طرأ على المجتمع العربي إثر اختلاطه بثقافات العالم القديم فانعكس في شعر أولئك المحدثين. كما أن الجرجاني بذلك قد ترك المجال مفتوحًا للمواهب العظيمة -كعبقرية المتنبي- في أن تعيد سبك الموروث الشعري حسب ما تمليه رؤاها وشاعريتها، وحمل النقد مسؤولية تبني الشاعر العظيم بالرغم من سقطاته وتجاوزه لأعراف عصره. وجعل النقاد سدنة في معبد الشعر يحافظون على التراث ويوسعون مفهوماته لتستوعب كل جديد أصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت