"وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن وتستوفي أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها يف انتظام المحاسن، والتئام الخلقة، وتناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم -وإن قايست واعتبرت، ونظرت وفكرت -لهذه المزية سببًا، ولما خصت به مقتضيًا".
بحسب هذا العرض تبلورت المسألة على النحو التالي: ثمة صورة تتماشى تمامًا مع قوانين الجمال أو التعبير الفني المتعارف عليها، وثمة صورة أخرى أقل تلبية لتلك القوانين لكنها أكثر تأثيرًا في النفس. تلك المفارقة بين الانصياع لقوانين الجمال وبين الاستجابة لما هو أقل نزولًا على مقتضيات القانون يصورها الجرجاني على صورة حوار بين أنصار القانون الظاهر. وأنصار الجمال الباطني. فالأول"يحاجك بظاهر تحسه النواظر وأنت تحيله على باطن تحصله الضمائر".
فكيف تتمثل بضمير الناقد قصيدة حلوة متمردة على القانون الجرجاني يجيب بأنها تتمثل على صورة شعور بالارتياح، سورة من الطرب، وصبوة تتصور تلقاء ناظرك.
يقول في نهاية مختارات أوردها من شعر البحتري:
"ثم تأمل كيف تجد نفسك عند إنشاده، وتفقد ما يتداخلك من الارتياح ويستخفك من الطرب إذا سمعته، وتذكر صبوة إن كانت لك تراها ممثلة لضميرك ومصورة تلقاء ناظرك".
وإذن فإن الأثر الفني الحق يملك نوعًا من القدرة على التجسد في النفس، والتجلي في الضمير، والاستحضار لصبوة الروح أمام النواظر.
وبالتالي فإن موازنة الجرجاني بين صورتين بشريتين كان حديثًا عن صورتي قصيدتين تتمثلان في النفوس وتتجليان في الضمائر والخواطر -إن كانت مؤهلة تأهيلًا عاليًا في تذوق الشعر، وفهمه، والاستجابة الصحيحة له عبر الطبع المهذب (أي الموهبة المثقفة) الضروري للناقد ضرورته للشاعر: