وإذا كنا قد حاولنا أن نقرن بعض أخبار عامر السابقة بزمن تقريبي يحدد حدوثها، فإن ثلاثة أخبار أخرى عنه لا نعرف زمانها بدقة. فقد روى أبو الفرج الأصفهاني (356ه) أن عامرًا هو الذي لقب قسيّ بن منبّه، ثقيفًا. وكنا قدمنا، نقلً عن ياقوت الحموي، أن عامرًا زوَّج ابنته لقسي هذا، ولكن أبا الفرج ينقل عن ابن الكلب أن قسيًا لما أتى الطائف وهي يومئذ منازل فهم وعدوان، وجد الظرب العدواني، فتحالف معه، وتزوَّج ابنته، فسمَّاه عامر عندئذ ثقيفًا. وقد جرَّ هذا الزواج عارًا على الظرب لأن ثقيفًا هو عبد إياد، كما يقال (53) .
وثمة غموض في خبر ثان يذكر صدامًا ما بين إياد وقيس. فقد جاء في الأغاني أن حربًا وقعت بين إياد، ورهط من قيس. كان عمر بن الظرب رئيسهم، فظفرت قيس، ونفت إيادًا إلى ثمود. فأنكرت إياد عندئذ أن تكون من نزار، فقال عامر بن الظرب:
قالت إياد قد رأينا نسبًا
سيري إياد قد رأينا عجبا ... لا أصلكم منّا فسامي الطلبا
دار ثمودٍ إذ رأيت السَّببا (54)
والخبر الثالث يقول: أن قيس عيلان رغبت في البيت وخزاعة يومئذ تليه، فساروا ومعهم قبائل من العرب، ورأسوا عليهم عامر بن الظرب العدواني، واتجهوا إلى مكة في جمع لهام، فخرجت إليهم خزاعة، فاقتتلوا، فهزمت قيس، ونجا عامر على فرس له جواد، فأنشد قيس بن الحدادية قصيدة منها: ... وجَشَّمتهم منزلًا قد صعب
لقد سمت نفسك بابن الظرب
وحمَّلتهم مركبًا باهظًا ... من العبء إذ سقتهم للشغب
بحرب خزاعة أهل العلا ... وأهل الثناء وأهل الحسب (55)
وعلَّق أبو الفرج على قصيدة هذه الأبيات بقوله:"هذه القصيدة مصنوعة، والشعر بيِّن التوليد" (56) .
والذي يبدو لنا أنه ليس الشعر وحده هو المصنوع فحسب، بل القصة التي رويت بين يديه لتكون مناسبة له، مصنوعة أيضًا.