"النساء لا يخرجن من دورهن مطلقًا، إلا في الليل وعلى الوجه حجاب، مصحوبات بخادمات، وعندما يذهبن إلى الكنيسة أو لزيارة الأقربين من أهلهن (13) ".
هذه الصورة للمرأة في المجتمع البيزنطي وقد رسمت بخطوط عريضة. ومن أجل تفهم الدوافع لمثل هذا التحفظ تجاه النساء، يجب العودة إلى المصادر المعنية بالفكر وبآداب السلوك والأخلاق في بيزنطة. وهي ليست سوى الكتابات الأساسية التي تحمل الفكر اليوناني، من المؤلفات التي بقيت للتعليم في مدارس الدولة وجامعاتها.
ولقد اعتبرت دراسة العصور القديمة الوثنية أمرًا لا غنى عنه حتى عند أكبر مشرّعي الملكية البيزنطية، باسيل القيساري (14) الذي تبعه في موقفه سائر آباء الكنيسة، وفي وقت متأخر لاحق أيده يوحنا الدمشقي على الرغم من معارضة الرهبان الذين تثقفوا هم أنفسهم بتلك الثقافة القديمة، التي كانوا ينظرون إلى آدابها نظرتهم إلى الشيطان لما فيها من وثنية وميثولوجيا (15) . ففي هذه الأداب القديمة نجد أن المفاهيم قد استمرت في الآداب والعادات الأخلاقية البيزنطية. وأن دراسة صورة المرأة في ثلاثة أنواع أدبية مختلفة يكشف لنا عن الاستمرارية المدهشة في الفكر ما بين اليونان القديمة وبيزنطة.
وقد اخترنا من أجل تأييد هذه الحقيقة ثلاثة أجناس أدبية تمثل الفكر القديم:
ملحمة هوميروس، مسرح اسخيلوس وأوربيديس وفلسفة أرسطو.
الالياذة وهوميروس (16) :
في عالم الالياذة الملحمي، الذي سنقصر عليه اهتمامنا، يبدو كأن المرأة لم تقم سوى بدور ثانوي. كانت محتقرة لضعفها فريسة تقدم للمنتصرين. كانت توكل إليها الأعباء المنزلية الثقيلة وتخضع لمشيئة سيدها، زوجًا كان أم فاتحًا ظافرًا. ومع ذلك فإن بطلات الملحمة كنّ يتمكنّ من الإفلات من مهانة الوضع الأنثوي.