الحضارة الغربية عند بروديل عاصمتها روما. ولكن روما روحها الحقيقية شرقية. حتى بناؤها على ما زعم الشاعر اللاتيني الكبير فرجيل في ملحمته"الانيادة"قد تم على أيدي حفدة إينياس البطل الطروادي وهم في الأصل آسيويون جاؤوا من طرف الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط وأعانهم في البناء قبائل الاتروسك وهم أيضًا آسيويون.
نحن نرى أن الخلافات والنزاعات التي نشأت على سطح البحر وعلى ضفافه وحوله أن هي الا كالتجعدات التي تظهر على سيمائه عند هبوب الرياح والزوابع.
أما مادة البحر تحت التجعدات في واحدة. وكما نخشى من الماء من التلوث نخشى على الناس جميعًا من الإحن والمحن والحروب والشقاق. وهذه كلها شرور تتحيّف كرامة الإنسان وتبذر الفرقة والتدابر والشنآن، وتذكّر نوازع العدوان عند الحيوان.
وما ندري أيهما أجدر بالباحث: الإلحاح على أسباب الفرقة ودواعي التدابر وعوارض التنازع وتأريث الخصام أو توكيد وشائج الوئام وحوافز الالتئام وتمتين عرى التعاون وتمكين أواصر السلام؟!
البحر المتوسط الذي اتخذه بروديل عنوانًا لكتابه انما وصف بالتوسط كأنه يقوم بالوساطة بين الأقوام ويؤلف بين وجوه نشاطهم ومساعيهم ومقاصدهم زيادة على وجوده وسط بلادهم. ولو أنا بحثنا عن الاختلاف والتمايز بين الناس لوجدناه في البلد الواحد وبين أعضاء الأسرة الواحدة، حتى الأخ وأخيه.
لنظهر شيئًا من علمنا أيضًا! التفاوت واقع حتى بين الوليّ والوليّ في مذهب التصوف إذ يمكننا أن يكونا في حال واحدة، ونجد التفاوت بين الكهرب والكهرب في الفيزياء الدقيقة إذ لا يمكن أن يكونا في حالة كوانتية واحدة حسب مبدأ باولى.
ولكن التشابه هو الأعم بين الناس. والتفاوت سبب التعاون والتتامّ لا سبب التشادّ والانفصام.