بين هذا العالم الحديث وابن خلدون زيادة على تأكيد الحتمية وتفاوت مداها شبه في النظرة التشاؤمية التي هي أشد ظهورًا عند بروديل. الحضارات عنده هي الحرب والبغضاء ورقعة واسعة من الظلام وهي التي تصنع الحقد وتتغذى به وتعيش عليه. والمستقبل هو لأولئك الذي يتقنون البغضاء، ومع ذلك فيبقى فيها بصيص من النور إذ هي أيضًا تضحية وإشعاع وتكديس للثروات الثقافية وميراث للذكاء (31) . أطلنا في تلخيص بعض أفكار بروديل لحداثتها ولتوكيد رؤياها القاتمة.
لنقف قليلًا مع فرنان بروديل نتفهم تردده في نعت الحضارة الغربية بين المسيحية والرومانية. ذلك أن المسيحية جاءت إلى روما من شرق البحر المتوسط حملها أناس من هذا الشرق وتجشموا في تبليغها العنت والعذاب. ثم إن اقتصاره على إثبات المواجهة والصراع بين مناطق ثلاث يصورها بروديل وحوشًا ضارية فرّاسة على الدوام يدعو إلى الشك والتساؤل. أو ليس في قلب كل منطقة وحوش يأكل بعضها بعضًا؟! كم من حروب مروّعة نشبت في أحضان المنطقة الغربية الرومانية على حد تعبير بروديل. مذبحة سان برتلمي إحدى الفتن الدينية الطائشة بين البروتستانت والكاثوليك في دولة غربية واحدة في أواخر القرن السادس عشر. الحرب العالمية النازية اشتعلت شرارته في أحضان الحضارة الغربية وتجاوزتها وحصدت ملايين من النفوس البشرية. ويح لألبسة التهريج التي يلبسها مهرج ينتمي إلى حضارة واحدة لا تصيب الذين ظلموا خاصة. كم تُسبب اليتم والدمار. ربما كان الأجدر أن تسمى ألبسة الحداد لأنها أودت بنفوس نقية بريئة كثيرة لا حصر لها.
أراد بروديل أن يتجاوز الأحداث والدول والتاريخ إلى ما وراء التاريخ فانتهى إلى الجغرافية. الجغرافية عنده في رأينا هي ميتافيزياء التاريخ.