فهرس الكتاب

الصفحة 10309 من 23694

وإذا صح أنن نناقش قليلًا ابن خلدون في قضية الحتمية فإننا لن يفوتنا أن نشير إلى باحث حديث وعميق وهو مؤرخ فرنسي نال شهرة واسعة في العصر الحاضر استندت بحوثه التاريخية إلى أصول جغرافية وهو فرنان بروديل (1902 -1985) وإنما اشتهر بكتابه"البحر المتوسط"وبسلسلة من الحوليات والمقالات التف حولها طائفة من الباحثين.

إن هذا الباحث يتجاوز حتمية ابن خلدون المحدودة إلى ما يمكن أن ندعوه حتمية تاريخية جغرافية. فهو حين يبحث في تاريخ البحر المتوسط يتناول الحضارات الأساسية التي نشأت حوله ويرى أنها تتجاوز الزمن وتنتصر على الوقت. تمضي حوادث التاريخ وتبقى هي مكانها ثابتة رابطة الجأش ضاربة الجذور في أعماق الأرض التي نشأت عليها. إنها لا تموت على عكس ما يدعيه معاصره الشاعر الفرنسي بول فاليري، بل تبقى على رغم المصائب والكوارث وتنبعث من رمادها عند الحاجة. وهو يقسم حضارات هذا البحر إلى ثلاث ويراها كأنها ثلاثة وحوش مستعدة أبدًا للتكشير عن أنيابها. إنها ثلاث شخصيات متفاوتة موجودة دائمًا منذ قرون طويلة، ذات مصير لا ينتهي. وما الدول بالنسبة إليها إلا ألبسة مهرج تظهر بها ثم تتبدل عليه. وهي الحضارة الغربية يتردد المؤلف بين نعتها بالمسيحية أو بالرومانية، وحضارة الإسلام، وحضارة العالم الإغريقي أو العالم الأرثوذكشي أي جزيرة البلقان (رومانيا وبلغاريا ويوغسلافيا واليونان) . أما موسكو عنده فهي في الأصل روما الثالثة بعد روما الثانية التي هي القسطنطينية. ولكن موسكو انفكت عن أن تكون القطب المشع للأرثوذكسية فغدا العالم الأرثوذكسي عالمًا بدون أب هكذا يقول. ويبدو أن موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تعود إلى تلك الأبوّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت