يقول ابن خلدون"إنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والأحكام وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض." (30) ونلاحظ أن قوله: على هيئة من الترتيب والأحكام... يشف عن النظرة السكونية أو التوازنية.
وقوله: واستحالة بعض الموجودات إلى بعض يشف عن النظرة التطورية أو الدينامية.
وهكذا يتأمل ابن خلدون تطور الدولة وحياتها فيجد لها أعمارًا طبيعية كما للأشخاص ومراحل هذه الأعمار متصلة بنفسيات الأجيال المتعاقبة. ولتقلّب الدول عنده قانون دوريّ مبرم. وبحوثه هذه مرتبطة بالدول التي كانت تنهض وتتعاقب في بلاد المغرب العربي. ويمكن تعقب أشباهها على مستوى إنساني أوسع. ومن المعلوم أن مدرسة دركهايم الاجتماعية ألحت على أهمية الحتمية في الظواهر الاجتماعية لكي تسوّغ إقامة علم مستقل لتلك الظواهر التي شأنها في الصفات الحتمية شأن الظواهر الفيزيائية والأمور المادية التي تخضع للضرورة وتسيطر عليها السببية التي هي أساس العلم. هذه الدعوى سليمة وصحيحة في مجال الحوادث التي تجري على المقياس الإنساني. ومن الجدير هنا أن نستطرد ولو قليلًا لنشير إلى أن الحتمية تزول حين ننفذ إلى أجراء المادة الدقيقة على الشكل الذي قرره العالم الفيزيائي الألماني هيزنبرغ حين أبرزما سماه"علاقات الارتياب"التي تجعل اللاحتمية راسخة في نطاق الفيزياء الحديثة. هذا وأن كثرة الحوادث تنتهي إلى الحتمية الإحصائية التي هي أساس الحتمية التي كان ينوه بها فلاسفة العلوم في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. هذا والحتمية لا تزال سائدة في الفيزياء الاتباعية وهي ليست ضرورية لإنشاء العلم كما كان يظن الفيلسوف الفرنسي هنري بوانكاري.