"وكما تشابه الإمام (الغزالي) و (ديكارت) في أمر المعرفة، فقد تشابها أيضًا في أمر آخر هو موقف العقل من الوحي، أما (ديكارت) فقد روي عنه أنه نحى حقائق الوحي عن مجال العقل لأنها -في رأيه- لا تدرك إلا بمدد من السماء، خارق للعادة، فارتد بهذا إلى النزعة اللا عقلية في مجال الدين، أما الإمام (الغزالي) فقد جعل الغرض الأول والأخير من تأليف كتاب التهافت هو إثبات أن العقل قاصر عن إدراك حقائق الأمور الإلهية، وأنه لا يمكن التعويل عليه بشأنها -ودعا فيما يتصل بهذه الأمور- إلى مصدر آخر هو خبر النبي المعصوم" (35) .
أما وقد فرغنا من عرض الخطوات والمعالم الرئيسية للشك المنهجي عند الإمام (الغزالي) و (رينه ديكارت) نعود للتساؤل الذي طرحناه مسبقًا عن دواعي الشك عند هذين الفيلسوفين، ولن أقول شيئًا هنا، وإنما سأكتفي بإيراد جوابين لمفكرين مختلفين، كل واحد منهما تولى الإجابة عن دواعي الشك عند أحد الفيلسوفين، وقد آثرتهما دون سواهما لأنهما يمثلان في الحقيقة خلاصة الآراء والمواقف في الإجابة عن هذا التساؤل على ما بدا لي من خلال بحثي، كما أنهما يفصحان عن رأيي أنا.
الأول للأستاذ (سليمان دنيا) ويقول فيه:"لقد سجل (الغزالي) ظاهرة فكرية قدرها فيه وأكبره من أجلها رجال الفلسفة، لقد حاول (الغزالي) بهذه الظاهرة أن يؤسس دعائم قوية يقيم عليها بناء المعرفة سليمًا قويًا:"
1-فلقد وضع للمعرفة منهجًا قويمًا.
2-وللعلم حدًا دقيقًا يخلصه من عناصر الغموض واللبس.
3-وأظهر استحالة الوثوق بالعقل عن طريق العقل نفسه.
4-وضرب أمثلة جديرة بالاعتبار لبيان إمكان خطأ العقل في أحكامه، وأخرى لبيان إمكان خطأ الحواس.
5-ورد أساس المعرفة إلى الإلهام لا إلى العقل، إذ لولا الثقة في أن الله لا يمنحنا طبيعة مزيفة لما أمكننا التعويل على العقل في اكتساب المعرفة" (36) ."
أما الرأي الثاني فللأستاذ (سكرتان) في كتابه (فلسفة الحرية) ويقول فيه: