هذا ما عنيناه من أن الفيلسوفين افترقا في طريق الخروج من الشك والتقيا في المبدأ والنتيجة، فالالتقاء كان في أن كلا الفيلسوفين جعل مفتاح المعرفة في الحدس، واليقين هو النتيجة المطلوبة، التي توصل إليها كلاهما.
بل وربما كان الإمام (الغزالي) أكثر دقة وإحكامًا في تحديد معنى اليقين ورسم معالمه التي تسوغ لنا التشبث به رغم كل ما قد يعترضنا من مؤثرات خارجية، أو ربما داخلية، ونظرًا لما للموضوع من أهمية جد بالغة فقد كرس كتابًا على الأقل هو"معيار العلم"للاستفاضة في بيان وبسط معاني اليقين وكيفية تأسيس العلم عليه.
على أن ذلك مرتهن بوجود ضامن لحقيقة وصحة الأفكار التي نتناولها، والحقيقة أن الإمام (الغزالي) عندما رد أساس المعرفة إلى الإلهام لا إلى العقل كان قد سبق (ديكارت) بالقول بأن الله يضمن لنا الحقيقة، يضمن أن معارفنا حقيقية غير زائفة،"إذ لولا الثقة في أن الله لا يمنحنا طبيعة مزيفة، لما أمكننا التعويل على العقل في اكتساب المعرفة" (33) .
كما كان الأكثر إفصاحًا وإيضاحًا لجوانب هذه المسألة، سالخًا أبعاضًا من كتبه لتبيانها ضرورة وأبعادًا ودقة،"كمعيار العلم والقسطاس المستقيم وتهافت الفلاسفة.."
يقول:"فإن أتيتك بميزان في المعرفة... واضعه هو الله سبحانه وتعالى ومعلمه جبريل... ومستعمله الخليل ومحمد وسائر النبيين عليهم السلام جميعًا وقد شهد الله تعالى لهم في ذلك بالصدق" (34) وبالتالي فإن كل ما نتوصل إليه من معارف عن طريق العقل، عن طريق الاستدلال والقياس والمحاكمات العقلية عمومًا هي معارف حقيقية بضمان الله لها.