وما دامت الحالة كذلك"فإني أكون أنا وإن لم أعرف أن لي يدًا ورجلًا أو عضوًا من هذه الأعضاء على ما سلف" (29) وكأننا نقف بذلك أمام الكوجيتو الديكارتي ولكن في لبوس آخر لا يختلف عنه إلا قليلًا من حيث الصياغة اللغوية، وبستة قرون ونيف من السبق الزماني.
ولعل أول من أكد هذه الصلة الوثيقة بين (ابن سينا) و (ديكارت) هو العالم الإيطالي (فورلاني) في مقال له بعنوان"ابن سينا ومقولة ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود) ."
نشره عام 1927 في مجلة (Islamica) ، معتمدًا على النص ذاته.
"وليس (فورلاني) متفردًا بالقول بهذه القربى، فهذا محقق كتاب النفس من الشفاء (الفن السادس- قسم الطبيعيات) - (يان باكوش) يعقب في ملاحظة على ترجمته الفرنسية للنص المذكور (30) بقوله:"
-إن هذا قول ديكارت المشهور، أنا أفكر إذن أنا موجود، ويتابع: فإن الصورة التي يقدمها ابن سينا تبرهن على أن نفس الإنسان كاملة، ولكن محجوبة هي التي تظهر دون وساطة الجسد، إنه موجود وإنه يفكر.
ومع أن الباحثين لا يذهبان حتى -إلى- التأكيد بأن ديكارت قد اطلع على نصوص ابن سينا مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، إلا أن فورلاني يميل إلى مثل هذا التخمين حين يشير إلى سعة إطلاع ديكارت على النصوص اللاتينية التي كتبت في العصور الوسطى، وقد كان كتاب ابن سينا قد ترجم إلى اللاتينية" (31) ."
إذن لقد وصل الفيلسوفان هنا -الغزالي وديكارت- إلى بر الأمان، أمسكا باليقين دون أن يخلصا من الشك، فقد اشترطا دون ذلك شروطًا ومعايير مبنية على بداهة المعاني وانكشافها لذهن متيقظ صاف، لا يدافعها أي شك ولا يخامرها أي غموض، وعلى العموم"سواء أكان رجوع النفس إلى اليقين بمعرفة خارجية، أم بنقد داخلي ذاتي فإن أمرًا واحدًا لا ريب فيه، وهو أن مفتاح المعرفة في كلا الحالين هو الحدس" (32) .