فهرس الكتاب

الصفحة 10240 من 23694

ولكن حق لنا أن نتساءل الآن بعد أن أتى شك الفيلسوفين على كل شيء؛ فلم يبقيا على محسوس ولا على معقول؛ وهما الآن على أبواب اليقين، ما هو اليقين الذي لا يقبل الشك بطبيعة؟ وهنا أيضًا يلتقي الفيلسوفان، فحدد الإمام (الغزالي) ذلك قائلًا:"فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي يكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنًا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلًا من يقلب الحجر ذهبًا والعصا ثعبانًا، لم يورث ذلك شكًا وإنكارًا، فإني إذا علمت أن العشرة أكبر من الثلاثة، فلو قال قائل: لا، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانًا وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه، أما الشك فيما علمته فلا" (22) .

وعلى نفس الوتيرة سار (ديكارت) مناديًا بنفس المعيار، جاعلًا إياه القاعدة الأولى من قواعد منهجه. فيقول: يجب"أن لا أتلقى على الإطلاق شيئًا على أنه حق ما لم أتبين بالبداهة أنه كذلك، أي أن أعنى بتجنب التعجل والتشبث بالأحكام السابقة، وأن لا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل لعقلي في وضوح وتميز لا يكون لدي معهما أي مجال لوضعه موضع الشك" (23) .

وقد بين (ديكارت) في كتابه"مبادئ الفلسفة"مراده من الأفكار الواضحة والمتميزة، فهو"يطلق على الفكرة الحاضرة المتجلية لذهن متيقظ- الفكرة الواضحة- وعلى الفكرة الواضحة والمنفصلة معًا عن سائر الأشياء الأخرى، بحيث أنها لا تحوي في ذاتها إلا على ما هو واضح- الفكرة المتميزة" (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت