وهنا، في نهاية المطاف، حيث الانتقال من الشك إلى اليقين يفترق الفيلسوفان في الطريق ليلتقيا في المبدأ والنتيجة، فاتخذ كل منهما للخروج من الشك سبيلًا، فأما الإمام (الغزالي) فيقول:"ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقًا بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيَّق رحمة الله تعالى الواسعة" (25) .
أما (ديكارت) فجعل الخروج من الشك إلى اليقين قائمًا في الآنية المفكرة، هذا الأمر الذي لم تستطع رحاب الشك أن تطويه، فما دام شاكًا، فهو يقينًا موجود، وهو يقول في ذلك:"ولكنني سرعان ما لاحظت وأنا أحاول على هذا المنوال أن أعتقد بطلان كل شيء، أنه يلزمني ضرورة، أنا صاحب هذا الاعتقاد، أن أكون شيئًا من الأشياء، ولما رأيت هذه الحقيقة، أنا أفكر، إذن أنا موجود، هي من الرسوخ بحيث لا تزعزعها فروض الريبيين. مهما يكن فيها من شطط حكمت بأني أستطيع مطمئنًا أن أتخذها مبدأ أول للفلسفة التي كنت أبحث عنها" (26) .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا المبدأ الذي اتخذه (ديكارت) مبدأ أولًا للفلسفة.
والذي سماه (الكوجيتو) أو (أنا أفكر، إذن أنا موجود) إنما هو بالأصل للشيخ الرئيس (ابن سينا 370-428هـ/ 980-1037م) ، هذه الحقيقة نلمسها في نص (لابن سينا) من كتاب الشفاء، قسم الطبيعيات، الفن السادس، اشتهر باسم (الرجل الطائر) ، وهذا النص نسوقه كما هو (27) :