ثم لم يلبث الفيلسوفان أن شككا في العقليات معتمدين على نفس الدليل أيضًا -وهذا ما لم ينتبه أو يشر إليه أحد فيما علمت- بل إن (ديكارت) وإن لم ينف أن يكون قد سبقه أحد إلى ذلك، فإنه قال، إنه: أول من قال بهذا الدليل، فما هو هذا الدليل الذي أمكن الفيلسوفين النيل من العقليات والتشكيك فيها؟
الحقيقة إننا وإن أطلنا البحث لن نجد إلا مخرجًا واحدًا أو دليلًا واحدًا يفتح أمامنا إمكانية التشكيك في الضرورات العقلية، ذلك الدليل هو أن يقف وراء حاكم العقل حاكم آخر، يستطيع إلزامه في كل مرة أن يتعسف في أحكامه، مخيلًا إليه أنه على صواب، وهنا يمكن رفض الضرورات العقلية واعتبارها ضروبًا من الأوهام أو الأحكام التي لا نستطيع أن نقف على مدى صحتها، وانطلاقًا من ذلك قال الإمام (الغزالي) بالمختصر المفيد:"لعل وراء إدراك العقل حاكمًا آخر، إذا تجلى كذب العقل في حكمه كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الأمر لا يدل على استحالته" (19) .
أما (ديكارت) فيقول في ذلك:"ومع ذلك فإن معتقدًا قد رسخ في ذهني منذ زمن طويل، وهو أن هناك إلهًا قادرًا على كل شيء، وهو صانعي وخالقي على نحو ما أنا موجود، فما يدريني لعله قد قضى بأن لا يكون هناك أرض ولا سماء ولا جسم ممتد ولا شكل ولا مقدار ولا مكان، ودبَّر مع ذلك كله أن أحس هذه الأشياء جميعًا، وأن تبدو لي موجودة على نحو ما أراها؟ بل لما كنت أرى أحيانًا أن أناسًا يغلطون في الأمور التي يحسبون أنهم أعلم الناس بها، فما يدريني لعله قد أراد أن أغلط أنا أيضًا كلما جمعت اثنين إلى ثلاثة، أو أحصيت أضلاع مربع ما" (20) .