إذن فالفيلسوفان كلاهما لم يجدا من القرائن اليقينية ما يجعلهما يميزان بين رؤية اليقظة ورؤيا المنام، ولذلك كان الخروج من الإشكال بالمنام صحيحًا.
وجلي أن الإمام (الغزالي) لم يقصر ملابسة المنام على الإدراكات الحسية وحسب، بل جعلها تمتد لتشمل المدركات العقلية أيضًا، فالمنام تخيل، والتخيل قوامه الصور الحسية التي تختزنها الذاكرة.
هذا حال المحسوسات، فما هو مصير المعقولات، أو لنقل الضرورات العقلية؟ فهل نستطيع أن نشكك في أن الكل أكبر من الجزء، أو أن حاصل جمع الاثنين إلى الثلاثة لا يساوي الخمسة؟
لا (شك) أن هذا موقف حرج فيما لو حاول الفيلسوفان اقتحام هذا الحاجز المنيع والتشكيك فيه... هذا ما يبدو للوهلة الأولى، لأن الفيلسوفين فعلًا لم يتخاذلا عن الخوض في لجة هذا البحر العميق، فاعترف كلاهما بادئ ذي بدء بحراجة الموقف وصعوبته، ذلك بأن الضرورات العقلية أمور لا تقبل مدافعة الشك ومحاجته، فيقول الإمام (الغزالي) :"فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات"كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون حادثًا قديمًا، موجودًا معدومًا واجبًا محالًا" (17) ."
ويقول (ديكارت) في ذلك:"في حين أن الحساب والهندسة وما شاكلهما من العلوم التي لا تنظر إلا في أمور بسيطة جدًا وعامة جدًا، دون اهتمام كثير بالوقوف على مبلغ تحقق هذه الأمور في الخارج أو عدم تحققها، إنما تشتمل على شيء يقيني لا سبيل إلى الشك فيه: فسواء كنت متيقظًا أو نائمًا هناك حقيقة ثابتة وهي أن مجموع اثنين وثلاثة هو خمسة دائمًا، وأن المربع لن يزيد على أربعة أضلاع أبدًا، وليس يبدو في الإمكان أن حقائق بلغت هذه المرتبة من الوضوح والجلاء يصح أن تكون موضع شبهة خطأ أو انعدام يقين" (18) .