الحقيقة ثمة مخرج يستوعب هذا الإشكال، وما قد ينشأ من إشكالات أخرى بهذا الخصوص، وذلك باعتبار حالة النوم وما يتراءى للنائم في منامه، فقال (ديكارت) :"ينبغي علي هنا أن أعتبر أني إنسان، وأن من عادتي لذلك أن أنام، وأني أرى في أحلامي عين الأشياء التي يتخيلها أولئك المخبولون [الذين اختلت أدمغتهم] في يقظتهم؛ بل قد أرى أحيانًا أشياء أبعد عن الواقع مما يتخيلون، كم مرة وقع لي أن أرى في المنام أني في هذا المكان، وأني لابس ثيابي، وأني قرب النار، مع أني أكون في سريري متجردًا من ثيابي! يبدو لي الآن أني لا أنظر إلى هذه الورقة بعينين نائمتين، وأن هذا الرأس الذي أهزه ليس ناعسًا.... ولكن عندما أطيل التفكير في الأمر، أتذكر أني كثيرًا ما انخدعت في النوم بأشباه هذه الرؤى، وعندما أقف عند هذا الخاطر أرى بغاية الجلاء أنه ليس هناك أمارات يقينة نستطيع بها أن نميز بين اليقظة والنوم تمييزًا دقيقًا، فيساورني الذهول، وأن ذهولي لعظيم، حتى يكاد يصل إلى إقناعي بأني نائم" (15) .
ولكن الإمام (الغزالي) لم يفته هذا المخرج، وكان الأسبق بردح من الزمن طويل بطرح نفس الخطوة هذه التي قال بها (ديكارت) ، فخرج الآخر من إشكاله بالمنام، يقول الإمام (الغزالي) في ذلك:"فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلًا، وأيدت إشكالها بالمنام وقالت: أما تراك تعتقد في النوم أمورًا، وتتخيل أحوالًا، وتعتقد لها ثباتًا واستقرارًا، ولا شك في تلك الحالة فيها، ثم تستيقظ فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل؟ فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها. لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نومًا بالنسبة إليها، فإذا أوردت تلك الحالة تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها" (16) .