فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضًا، وأخذ يتسع هذا الشك فيها ويقول: من أين الثقة بالمحسوسات وأقواها حاسة البصر، وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفًا غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة؟ ثم بالتجربة بعد ساعة تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة بغتة، بل على التدرج... ثم تنظر إلى الكوكب فتراه صغيرًا في مقدار الدينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار، وهذا وأمثاله من المحسوسات، يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل ويخونه؛ تكذيبًا لا سبيل إلى مدافعته، فقلت: بطلت الثقة بالمحسوسات أيضًا" (12) ."
والأمر عينه نجده عند (ديكارت) فقد حسب أول الأمر أن مواضيع الحس موضع الثقة والصدق، ثم لم يلبث بعد المعاينة والتجريب أن تبين خداعها وكذبها، وها هو ذا يقول:"كل ما تلقيته حتى اليوم وآمنت بأنه من أصدق الأشياء وأوثقها، قد اكتسبته من الحواس أو بواسطة الحواس، غير أني جربت هذه الحواس في بعض الأحيان فوجدتها خداعة، ومن الحكمة ألا نطمئن كل الاطمئنان إلى من خدعونا ولو مرة واحدة" (13) .
ولكن إن خدعتنا الحواس في بعض الحالات والظواهر، أفيعني هذا أنها خداعة دائمًا، لا ينبغي الوثوق بها أبدًا؟ هذا التساؤل أثاره (ديكارت) وتابع قائلًا:"قد نقع على أشياء كثيرة أخرى لا نستطيع أن نشك فيها شكًا يقبله العقل، وإن كنا نعرفها بطريق الحواس، مثال ذلك: أني ها هنا جالس قرب النار، لابس عباءة المنزل، وهذه الورقة بين يدي، وأشياء أخرى كثيرة من هذا القبيل، وكيف أستطيع أن أنكر أن هاتين اليدين يداي، وهذا الجسم جسمي؟" (14) فكيف السبيل إذًا للخروج من هذا الإشكال، ومقتضى الحال يفترض طى المحسوسات بين ثنايا الشك، على الأقل ريثما نصل إلى اليقين الذي نستند إليه ومنه ننطلق؟.