أما (ديكارت) فقد انتظر حلول الظروف الملائمة للقيام بهذه المهمة، ونظرًا لأن الوقت ربما لا يسعفه -وهذا الأكيد- في معالجة كل الآراء والعقائد الموروثة، فقد اكتفى بأن يجد ولو سببًا واحدًا للشك حتى يرفض هذا الأمر أو الرأي، يقول في ذلك:"واليوم وقد واتتني ظروف ملائمة لهذا الغرض، إذ خلصت فكري من كافة ضروب المشاغل، وأخليت نفسي بحمد الله من هزات الانفعالات، وظفرت لنفسي براحة مؤكدة، في عزلة مطمئنة، سوف أفرغ جدًا وفي حرية لتقويض كافة آرائي القديمة على وجه العموم، وليس يلزم لهذا أن أبين أنها كلها زائفة، فهذا أمر قد لا ننتهي منه أبدًا... فيكفي لرفضها جميعًا أن يتيسر وأن أجد في كل واحد منها سببًا للشك" (11) .
ولا ينبغي أن يفهم من ذلك أن الإمام (الغزالي) قد وقف على علوم زمانه وآراء أهله، وأن (ديكارت) لم يتأت له ذلك، وإنما الفيلسوفان كلاهما عمدا إلى أن يجدا من الأسباب أو الشكوك ما يكفي لرفض هذا الأمر أو ذاك، وكلامهما خير دليل على ذلك، كما أن الخطوات التالية تكشف بجلاء عما ذهبنا إليه.
أجال الفيلسوفان الطرف حواليهما يبحثان عن الموضوعات التي تنطوي تحت رحاب الشك، والأسس التي تقوم عليها تلك الآراء والمعتقدات والعلوم... فوجدا خير بداية في موضوعات الحواس، فهي الأقرب للشك، والأكثر طواعية له، يقول الإمام (الغزالي) في ذلك:"الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات، وهي الحسيات والضروريات، فلا بد من أحكامها أولًا لأتيقن أثقتي بالمحسوسات وأماني من الغلط في الضروريات من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليدات ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات، أم هو أمان محقق لا غدر فيه ولا غائلة له؟"