فهرس الكتاب

الصفحة 10233 من 23694

أما (ديكارت) فيقول:"ليس بالأمر الجديد ما تبينت من أنني منذ حداثة سني قد تلقيت طائفة من الآراء الباطلة وكنت أحسبها صحيحة، وأن ما بنيته منذ ذلك الحين على مبادئ هذا حالها من الزعزعة والاضطراب، لا يمكن أن يكون إلا شيئًا مشكوكًا فيه جدًا.. فحكمت حينئذ بأنه لا بد لي مرة في حياتي من الشروع الجدي في إطلاق نفسي من جميع الآراء التي تلقيتها في اعتقادي من قبل، ولا بد لي من بناء جديد من الأسس إذا كنت أريد أن أقيم في العلوم شيئًا وطيدًا مستقرًا" (9) .

إذن. لقد وجد الفيلسوفان نفسيهما أمام مذاهب وفرق مختلفة، مضطربة ومتضاربة، كل يتشيع لطائفة من الآراء والاعتقادات ويدعي أنها الأصح، وبالبداهة نتبين أن ذلك غير ممكن، ولذلك كان لا بد من التشكيك في هذه العقائد الموروثة، الواحدة تلو الأخرى، وبالفعل شرع الفيلسوفان باستقصاء هذه العقائد وسبر معانيها واستجلاء حقائقها، فأما (الغزالي) فيقول:"ولم أزل في عنفوان شبابي، منذ راهقت البلوغ قبل العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن كل عقيدة وفرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومستسن ومبتدع، لا أغادر باطنيًا إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريًا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيًا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلمًا إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيًا إلا وأحرص على العثور على سر صوفته -تصوفه- ولا متعبدًا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقًا معطلًا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته" (10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت