فهرس الكتاب

الصفحة 10232 من 23694

أما (ديكارت) فأصبح أبا الفلسفة الحديثة ورائدها العقلي" (6) ويقول (هيغل 1770-1830) في ذلك:"رينه ديكارت هو المحرك الأول للفلسفة الحديثة من حيث أنها تقيم الفكر أصلًا من أصولها... وليس من إسراف البتة أن يتحدث الناس بإطناب عن أثر ذلك الرجل في أهل عصره وفي العصور الجديدة: إنه بطل من الأبطال، لقد أعاد النظر في الأشياء من البداية" (7) ."

وسنحاول الآن أن نستقصي أوجه الشبه بين هذين الفيلسوفين فيما يتعلق خصوصًا بمسألة الشك الذي أسميناه بناء، أو هو ما يسمى عادة بالشك المنهجي، وبادئ ذي بدء نتساءل: لماذا لجأ هذان الفيلسوفان إلى هذا النوع من الشك تحديدًا من جهة، وما دواعيه من جهة ثانية؟

الحقيقة أن الفيلسوفين كليهما لم يبتغيا من الشك إلا اليقين، فكان الشك أداة في منهج لا منهجًا، وسيتضح هذا في سياق الكلام، والذي دعاهما إلى ذلك يكاد يكون واحدًا، فالإمام (الغزالي) يقول:"إن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب، على كثرة الفرق وتباين الطرق- بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي... وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت على العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا، إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام، وسمعت الحديث المروي عن رسول الله (( ) يقول -كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرناه ويمجسانه- فتحرك باطني إلى حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات وأوائلها تلقينات، وفي تميز الحق منها عن الباطل اختلافات" (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت