يقول الدكتور عبد الكريم: إن رحلة الحج لم تكن نزهة، فقد كان الحجاج يقضون في الرحلة كلها زهاء أربعة أشهر من شوال إلى صفر، وكانت الرحلة حقًا قطعة من العذاب، ومدوّنات تلك الأيام تفيض بما كان يلقاه الحجاج من أخطار الطريق، من ظواهر طبيعية لا يستطيعون لها دفعًا كالحر اللافح أو البرد القارس أو السيل الجارف، أو من عدوان بعض الناس فيموت منهم الألوف... ويعود الباقون في أشأم حال. بينما يظل الناس في دمشق يتنسمون أخبارهم، حتى إن بعضهم يخرج إلى ظاهر المدينة عند باب الله، في الميدان، يستطلعون أنباءهم.
كوارث ومشقات في الطريق:
وقد تحدث البديري عما لقيه الحجاج من أخطار في بعض السنوات، فسنة 1156هـ وكانت تقابل عام 1743-1744م:"فجاء خبر عن الحج الشريف بأنه غرق في"الحسا"وذهب على ما قيل مقدار نصف الحجاج من خيل وجمال وبغال، ونساء ورجال، وأموال وأحمال."
ومضى الحجاج في طريقهم إلى دمشق، فإذا سيل آخر يفاجئهم في البلقاء حتى كاد أن يهلك بقية الحجاج، وبادر الباشا، فأنفذ رسولًا إلى دمشق يطلب النجدة من أهلها فشق شوارعها وهو ينادي:
"يا أمة محمد! من كان يحب الله ورسوله، وتمكن من الخروج فليخرج ومعه ما يقدر عليه من مأكل ومشرب وملبس".
فخرجت الخلق مثل الجراد، كما يقول البديري.
وقد يضطر أمير الحج أن يتنكب الطريق الرئيسي حيث تقوم آبار الماء وتتوفر المياه، إلى طريق آخر، ليتجنب عدوانًا يدبره بعض اللصوص. وقد حدث في إحدى المرات أن الحجاج لم يجدوا ماء في الطريق الآخر، فأصابهم الظمأ حتى توفي منهم في يوم واحد ألف ومئة حاج. ومثل هذا كثير على حد تعبير البديري.