ولكنها كانت في القرن التاسع ما تزال عامرة.. حين ولد فيها في مطلع هذا القرن حنين ابن اسحق الذي قيض له أن يكون أحد مشاهير الرجال في التاريخ. وأحد أكبر عباقرة البشرية.. في الترجمة.
وقد كان حنين ميالًا إلى دراسة الطب.. ودخل في عداد تلامذة الأستاذ الكبير يوحنا بن ماسويه.. وكان حنين ميالًا إلى الإكثار من الأسئلة. ولعل يوحنا قد ضاق ذرعًا بأسئلته ذات يوم. فلم يكن لطيفًا في الرد عليه. وقال له كلامًا قلل فيه من شأنه. باعتبار أنه من أسرة غير طبية وكأنما صنعة الطب وقف على طبقات معينة في المجتمع. ولم يحتمل حنين المرهف الحس هذه الإهانة.. التي وجهها الأستاذ"المتعجرف"فغادر مجلسه ولم يعد ودرس لغة الإغريق.
وجاب أنحاء البلاد حتى أتقن هذه اللغة.. إضافة إلى إتقانه للغة السريانية.. وإلى مقدرته النادرة في لغته الأم (العربية) وقد عرف حنين السريانية أيضًا منذ طفولته.. بفضل نشأته الدينية.. إذ كان شماسًا. يلبس"الزنار".
ولما أتقن حنين هذه اللغات.. وأصبح فارسًا في هذا الميدان عاد إلى موطنه وعمل في الترجمة. واشتهر كترجمان.. ينقل من الإغريقية إلى السريانية. أو إلى العربية ومن السريانية إلى العربية. فأصلح كثيرًا من ترجمات أسلافه وزملائه التراجمة الذين وقعوا في بعض الأخطاء الناجمة عن ضعفهم في إحدى هذه اللغات الثلاث.
ثم لمع نجم حنين. وأصبح ترجمان الخلفاء. وطبيبهم وجليسهم. وتعرض إلى مجموعة من الدسائس والمؤامرات.. من حساده.. وخصومه.. فلم ينزل إلى مستوى المهاترات. ولم يفقد إيمانه بالله. ولم يتنازل عن مبادئه وأخلاقه. فازداد أصحاب الأمر ثقة به.. وإعجابًا.. وأصبح رجلًا مهيب الجانب.. ليساعده ابن أخته.. حبيش. وابناه.. ومجموعة من تلاميذه في أعمال الترجمة. في شتى العلوم.. ومنها العلوم الطبية.
وترك هؤلاء وعلى رأسهم أستاذهم حنين.. دويًا في تاريخ العلوم.. ليس له مثيل.. في أي زمان وأي مكان.