إن الذي يقرأ الكتاب بإمعان يرى أن المؤلف قد أخذ نفسه بالسجع في أول الكتاب، ثم أخذ يتحلل منه شيئًا فشيئًا، حتى أصبحنا لا نرى له أثرًا في النصف الثاني من الكتاب، حيث أخذ المؤلف يقرر المسائل الطبية ويصف الأدوية وتركيبها كما يفعل أي طبيب في مؤلفه، دون التزام بالسجع.
وفي القسم الذي التزم فيه المؤلف بالسجع كان المؤلف يضطر إلى التقديم والتأخير، أو يضطر إلى استخدام كلمات قد يكون غيرها أبلغ منها في الدلالة على المراد، وهذا يوقع في شيء من الغموض، كل ذلك من أجل المحافظة على السجع؛ والعلم بما يحمله من المعاني الدقيقة يجب أن يصاغ بالأسلوب الفصيح المبين الذي لا لبس فيه.
3-لغة الكتاب:
كتب المؤلف كتابه"تشريح العين وأشكالها ومداواة أعلالها"بلغة عربية فصحى، لم يداخلها شيء من عامية أهل الشام ولا غيرهم، ولكنه استخدم مصطلحات علمية يونانية عند الكلام عن قروح القرنية، مع أن المترجمين العرب قد أوجدوا لها المقابل العربي.
والعجيب أن هذه المصطلحات اليونانية في هذه القروح ظلت تردد مع ما يقابلها باللغة العربية، في كتب طب العيون التراثية، حتى القرن السابع الهجري. مع أن هذه الكتب لا تتفق في معاني ألفاظها اليونانية، فكل مؤلف يوردها على شكل يخالف به غيره.
ونحن لا نشك في أن مؤلفنا الطبيب كان عنده تذوق جمالي للغة العربية، وعنده القدرة على صياغة المعاني والأفكار العلمية بجمل جميلة، فاسمعه يقول في ص 3 من المخطوط"وخَلَق له عينين، وأذنين ومنخرين، ولسانًا وشفتين، ومريًا وحجابين، وقلبًا ورئتين، ومعدة ومعاءين، وكبدًا وكليتين، وطحالًا وانثيين، وجعل فيه مخًا وعظامًا، وعصبًا ولحمًا، وعضلًا وشحمًا، وعرقًا ودمًا، وجلدًا وشعرًا، حكمة منه وبرًّا، وجعل بعضها ماسكًا، ومملوكًا ومالكًا... الخ".
أرأيت إلى هذه الموسيقى الخفيفة العذبة المنبعثة من هذا التركيب الفذ للجمل.