"قال علي بن إبراهيم: رأيت كل مؤلف كتاب، ومصنف آداب، له سبب حثه عليه، وغرض يقصد به إليه، وللعلوم أوائل وأصول، وللحكم حقائق ومحصول، سيما علم الطب وصناعته، لشرف موضوعه وجلالته، إذ كان علمًا قياسيًا، وأصلًا عقليًا، وتجارب وحِيَلًا، وفصولًا وجملًا. وقد أجمع كافة الناس، على اختلاف الأجناس، أن جالينوس تمم هذه الصناعة وأكملها، وأبان غامضها ومشكلِها، وقرر لها أصولًا، وجعل لها فصولًا، تقرأ على ترتيب ونظام، وقرَّبها إلى الأفهام. فجميع المصنفين من بعده مقصرون، وفي أثره مجتهدون، وأفضلهم من بيَّن في تصنيفه فهم كلامه، وسلك طرق قوانينه وأقسامه."
فلما رأيت ذلك عدلت إلى تسجيع ألفاظه وتطبيقها، ونقلها على معانيها وتحقيقها، وما قد صح عند أتباعه، وتقرر في كتب أشياعه، ورأيت في ذلك معنى لطيفًا، وفنًا شريفًا، وهو تسهيل حفظه على الطالبين، وتقريب فهمه من قلوب المتعلمين، وأتميز به عن تصنيفهم، وأبين به من تأليفهم.
ومهما قلنا في أهمية هذا الباعث، فإنه كان في نظر المؤلف مشروعًا. ويمكننا أن نلتمس للمؤلف في ذلك بعض العذر، لأنه رأى معاصريه ينظمون العلوم أراجيز تسهيلًا لحفظها فقد نظم اليشكري (ت-370هـ) أرجوزته في النحو والصرف (8) ، ونظم ابن مالك (ت- 672هـ) ألفيَّته المشهورة، ونظم علي بن محمد السخاوي (ت-643هـ) منظومته في المواريث (9) ، ونظم الحصني أرجوزته في العين (10) . وكثير ممن هم قبل هؤلاء وبعد هؤلاء نظموا العلوم في قصائد تسهيلًا لحفظها، والإنسان ابن عصره، ولما رأى مؤلفنا أن ثروته اللغوية، وخبرته في نظم الشعر لا تساعدانه على ذلك، فإنه عدل عن نظم كتابه هذا شعرًا واكتفى بالسجع.