على أن أروع ما في الرواية أسلوب معروف الذي أصبح وقفًا عليه لا يدانيه في ذلك كاتب مهما سما، وهو أسلوب يقطر حلاوة، ويستصفي الكاتب فيه من قراءاته صفوة جمال العربية، وقد قصّر عن مجاراته أي كاتب، وإن القارئ لتأخذه نشوة العبارة حتى ليذهل عن الوقائع والأحداث، وقد طاعت لقلمه اللغة العربية وهو من غير أبنائها نسبًا فبزّ كتّابها، وأحيا تعابيرها التي أبلاها الزمن وجدد ثوبها، ولا سيما في الوصف والتحليل، ولو أتيح للكاتب أن يوسع ثقافته في الفن الروائي لأتى بما يعجز عنه كتاب الرواية التاريخية، ولبلغ الكمال في هذا الفن العسير، وبحسبنا أن نستشهد بهذين المقطعين من الرواية، أحدهما في الوصف إذ يقول واصفًا مشهد لقاء الحبيبين عمرو وهند: (وإنهما لفي نشوة وغرق إذ لاحت لهما على حافة السيل طيور تخطف على أجنحتها الألوان الحمراء والألوان الصفراء فتصبّاهما اللون، وأنمى شجونهما أن تذيع الطيور حبها على الطبيعة، وتلقي بهمسها إلى الجبال والأودية، بل لقد هيج الحب في قلبيهما أن يضع طائر منقاره في منقار طائر آخر، ثم أن تنسجم العصافير في ظلالة واحدة، وتطير في آفاق السماء تاركة في الأرض الدافئة أثرًا من مرحها وغنائها وحبّها) .
وفي المقطع الأخير يحلل نفسية الحسين في ذروة محنته إذ يقول:
[لقد شهد قاتلو الطفولة في ضحى ذلك اليوم على وجهه النبيل ابتسامة فاتنة شهد آباؤهم مثلها على وجه جده، ورأوا إلى جماله فما غاب عنهم، وهم يرون فيه جمال أبيه الذي كانت حياته شرفًا لجيله وعصره، ولكن واحدًا من هؤلاء القتلة لم ترقّقه تلك الابتسامة ولم يفتنه جماله الرائع، ولو شهده مصورو الإغريق والرومان ما ترددوا في تصويره على حياط البيع وجُدر المناسك] .