ويلج الزوجان معًا بيت فاطمة البتول فتطالعهما رائحة المسك من فجوة الدار، ويبصران بعد قليل الرجل الذي لا تفتح العين على مثله وعليه معطف من الحرير الأحمر، وقد بهرهما منظره الذي يفيض حبًا وحنانًا، حاولا محادثته ثم أحجما عن ذلك تهيبًا، ففطن الحسين إلى أمرهما وقرأ على وجهيهما شجو قلبيهما، فحاذاهما ثم سألهما عن أمرهما، فقص عمرو على الحسين قصة حياته وخروجهما من وادي القرى للحج على أمل اللقاء به، فأقبل الحسين على الشابين يبارك لهما في عمرهما وسعادتهما، ويلح عليهما أن ينزلا ضيفين كريمين عنده، فيعتذران، ويرجوان أن يرياه في المسجد ويستمعا إلى أحاديثه للناس. ولم يتطرقا إلى شؤون الحكم، فقد لمسا أن محدثهما يتنزه عن الأحقاد فما كان يستهويه ملك يزيد في دمشق، وقد جمع إليه تراث الفرس والروم، وإنما كان من أحب أمانيه أن تظل الدنيا التي ضوَّأها نورُ جده محمد (( ) بعيدة عن الليل، فلا تسلبها وداعتها كسروية جامحة أو قيصرية جائحة.
ويخرج موكب الحسين للصلاة في مسجد المدينة، فيتبعه الزوجان بحذر وهما يخشيان عيون الرقباء.
ويتألب الناس حول موكب الحسين، فيخشى والي المدينة الوليد بن عتبة أن يستغل الطواف لتأييد الحسين، فيخترق بموكبه وفرسانه موكب الحسين، لكن الناس لا تبهرهم معاطف جند بني أمية المرصعة بالحلي ولا عمائمهم المطرزة ولا خيولهم التي يبرق عليها اللؤلؤ والياقوت، ويتابعون مواكبة الحسين إلى المسجد حيث يقيم الصلاة بوداعة ويعابث طفلين من أبناء الشعب بتواضع. ثم يتحول ومعه الناس إلى مقبرة المدينة فيزورها ويستريح برهة في مقصورته في المسجد بعد أن خطب في الناس، ثم تقبل الوفود للسلام عليه وفي مقدمتهم الوليد بن عتبة نفسه.