نصف الدائرة هذا يمثل الفُلك السابح فوق الماء والنقطة تمثل نواة الحياة أو بذرتها الكامنة في الفُلك، وموقعها يشير إلى رشيم الخلود أو النواة التي لا تصيبها التغيرات الخارجية. وأيضًا يمكن اعتبار نصف الدائرة هذا بتحدبه نحو الأسفل يمثل الكوب أو القدح وهو مثله له معنى الرحم الذي ينغلق على الرشيم الذي لم يتطور بعد والذي سيغدو النصف الأسفل، أي الأرضي من بيضة العالم (5) وتحت مظهر هذا العنصر السلبي للانتقال الروحي يبدو الحوت أيضًا صورة لكل فردية من حيث أن هذه الفردية تحمل (رشيم الخلود) في مركزها وهو الذي يتمثل رمزيًا بالقلب. ونستطيع أن نورد بهذا الصدد العلاقات الواشجة التي عرضناها في مناسبات سابقة عن رمزية القلب ورمزية الكوب ورمزية بيضة العالم (6) .
إن نمو هذا الرشيم الروحي يتضمن أن الوجود يخرج من حالته الفردية ومن الوسط الكوني الذي يكوِّن مجاله الخاص به وكذلك يخرج يونس من الحوت إذ يبعث نشأة جديدة.
وإذا تذكرنا ما كتبناه سابقًا نفهم دون عناء أن هذا الخروج هو نفسه الخروج من الكهف بنور الهداية في ديانة أو عقيدة معينة. والكهف في تقعره يشبه نصف الدائرة التي يرسم بها حرف النون."فالولادة الجديدة"تقتضي بالضرورة موت الحالة السابقة سواء أكانت فردًا أو عالمًا. الموت والولادة (أي النشور) هما وجهان لا ينفصل أحدهما عن الآخر لأنهما في الواقع ليسا سوى وجهين متقابلين لحالة واحدة متغيرة. والنون في الأبجدية تتلو مباشرة الميم التي من جملة معانيها الرئيسية ما يدل على الموت (7) والتي يمثل شكلها كائنًا منطويًا تمامًا على نفسه ومقتصرًا على شكل ما من الكمون المحض وتنطبق عليه في الشعائر حالة السجود ولكن هذا الكمون الذي يمكن أن يشبه فناءً وقتيًا يصبح عما قليل، بسبب تركيز جميع الاحتمالات الجوهرية للكائن في نقطة فريدة لا يمسها التلف، الرشيم الذي ينطلق تطوره منه نحو جميع الدرجات العليا.