وفيها يقول: ... على نسائكمُ كسرى وما جمعا
يا قوم لا تأمنوا إن كنتمُ غُيُرًا
هو الجلاء الذي تبقى مذلته ... إن طار طائركم يومًا وإن وقعا
هو الفناء الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيًا ومن سمعا
هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى الرأي بالأبرام قد نصعا
وقد بذلت لكم نصحي بلا دخل ... فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا
قيل لأعرابي: أتشتاق إلى وطنك؟ قال: كيف لا أشتاق إلى رملة كنت جنين آكامها، وحبة من ركامها. وقال الجاحظ في رسالة الحنين إلى الأوطان:"وكانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه عند نزلة أو زكام أو صدام" (26) ."وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك؟!!" (27) . ... بمنى تأبَّدَ غولها فرِجامها
إن ذلك كله يفضي بنا إلى ذكر الأماكن في القصيدة الجاهلية؛ وذكرها ذو دلالة واضحة على الالتصاق بهذه المواضع التي يصر العربي على ذكرها. وقَل أن تخلو قصيدة من موضع أو أكثر... ويكفي أن أذكر هذا الشاهد من شعر لبيد بن ربيعة: (28)
عفت الديار محلها فمقامها
فمدافع الريان عري رسمها ... خلقًا كما ضمن الوحيَّ سِلامُها
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا ... صمًا خوالد ما يبين كلامها؟
بل ما تذكَّر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها؟
مرية حلت بفيد وجاورت ... أهل الحجاز فأين منك مرامها؟
بمشارق الجبلين أو بمحجَّر ... فتضمنتها فردة فرخامها
فصوائق إن أيمنت فمظنة ... فيها وحاف القهر أو طلخامها
ولا بأس من مثال آخر من معلقة امرئ القيس: (29) ... بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل
فتوضحَ فالمقراةِ لِم يعفُ رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل