وقدم العرب العتائر (الذبائح) للأصنام بل دخل ذلك في حق الصنم لأنه في الأصل من حق الله الذي سموه له، وقسموا له من أنعامهم (21) . ... حتى تناخي بأبوابها
أما تغيير اتجاه العرب من كعبتهم المقدسة إلى كعبة جديدة فإنما يوحي بتغيير الانتماء إلى مقدسات جديدة من أجل تعميق الانتماء لهذه الأرض ويلتصقون بها بدلًا من الذهاب إلى مكة... وقد عالجت القصيدة الجاهلية هذه القضية إذ أشارت إلى أن قومًا من العرب بنوا بيوتًا شريفة وأراد أمراؤهم أن يحولوا أبناء القبائل العربية إليها، وأطلق بعضهم عليها اسم الكعبة مثل كعبة نجران التي ذكرها الأعشى حين قال: (22)
وكعبة نجران حتم عليك
نزور يزيد وعبد المسيح ... وقيسًا هم خير أربابها
وبنى أبرهة الحبشي كنيسة القليس بصنعاء (23) ليغير اتجاه الانتماء العربي؛ بيد أن العرب شديدو الارتباط بهذا الانتماء، وهم شديدو الوله بالمقدسات يلتفون حولها فتوحد كيانهم. فهم يخلصون لها الود ويرتبطون بها ارتباط الروح بالجسد. ... ليست بحوب أو تطيف بمأتم
هكذا أكد العرب انتماءهم ورفضوا محاكاته بأي شيء مهما علا... وقد أشار إلى ذلك الأعشى... وحكى لنا أن بني عبد الدار بن حريب رفضوا التحول عن مكة إلى الحوراء التي بنيت فيها كعبة نجران فقال: (24)
ولقد أردت بأن تقام بنية
فأبى الذين إذا دعوا لعظيمة ... راغوا ولاذوا في جوانب قدَّم
هذا هو العهد للعربي تمثل في القصيدة الجاهلية لا انفصال عن أرضه ولا ابتعاد عن مقدساته؛ هدفه التضحية في سبيلهما ولا يستطيع أحد أن يثنيه عن جوهر انتمائه المتفرد في ذلك العصر مهما عظمت المغريات والدوافع الأخرى. وفي هذا المقام لا يسعني إلا سوق قصة وقعت للقيط بن يعمر الأيادي وكان في بلاط كسرى. فقد عرف بأن كسرى طوى كشحًا على مستكنة، وهمَّ عازمًا غزو قومه في عقر دارهم، فأنذر قومه بهذه القصيدة؛ ومطلعها: (25) ... هاجت ليَ الهمم والأحزان والوجعا
يا دار عمرة من محتلها الجرعا