فهرس الكتاب

الصفحة 10112 من 23694

من هنا أزعم أن المقدمات الطللية في القصائد الجاهلية تعد ظاهرة أصيلة في صور الانتماء... وهي صور مطردة توحي بالإخلاص للتراب الذي امتزج بذكريات أصحابه وتعطي الدليل الحي والقوي على علاقة العربي مع أرضه التي زرعها أحلامًا جميلة زاهية وملأها بذكريات الشباب الغض الذي غذاه دم الحياة؛ وكيف ينسى المرء نفسه وماضيه إذا مر بجانب تلك المواضع التي رحبت به ذات يوم. فظاهرة المقدمات الطللية تعد جزءًا من التمسك بالأرض والنزوع إلى الوطن دون أن يفكر العربي في الجاهلية ولو مرة واحدة أن انتماءه ذلك ينفصل عن مجتمعه وآماله. فهو يدرك أنه منتم لكل ذرة من تراب أطلاله الدارسة، ويكفي أن نشير إلى هذا المثال من شعر زهير بن أبي سلمى: (15) ... فيمن فالقوادم فالحِساء

عفا من آل فاطمة الجِواء

فذو هاش فمِيْثُ عُرَيْتِناتٍ ... عفتها الريح بعدك والسماء

فذَروة فالجِناب كأن خنس النعاج ... الطاويات بها الملاء

تحمَّل أهلها عنها فبانوا ... على آثار مَن ذهب العفاء

(الجواء جمع جو، وهي أرض. يمن والقوادم في بلاد غطفان...) ... فبياض ريطة غير ذات أنيس

ولا ضير من مثال آخر يسوقه لنا عبد الله بن سلمة الغامدي: (16)

لمن الديار بتولعٍ فيبوسِ

أمست بمستن الرياح مفيلةً ... كالوشم رجِّع في اليد المنكوس

وكأنما جروُّ الروامسِ ذيلَها ... في صحنِها المعفوِّ ذيلُ عروس

(تولع ويبوس وبياض وريطة: مواضع. المستن: موضع الاستنان أي الجري. المفيلة: المطموسة) . ... نأت عن ثوى قومي وحق قدومها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت