وتعد تجربة امرئ القيس في رحلته إلى قيصر أو في تنقله بين القبائل طالبًا منها النجدة لنيل ثأره أكبر دليل على صدق انتماء العربي أينما كانت قبيلته؛ ومهما تشعبت منابت العرب؛ قال: (7) ... وأبلغ ذلك الحيَّ الحديدا
ألا أبلغ بني حُجر بن عمرو
بأني قد هلكت بأرض قوم ... بعيدًا من دياركم بعيدا
ولو أني هلكت بأرض قومي ... لقلت الموت حقٌ لا خُلودا
بأرض الشام لا نسب قريب ... ولا شاف فيُسند أو يعودا
فأكثر ما يتطير منه العربي أن يدهمه خطر يحدق بأرضه؛ وهو الذي يصمد في السنة العجفاء التي تعقف ذنب الكلب. ويمزج العربي الارتحال عن الأرض بصور الغربان التي تنذر بالشؤم والخراب... وتفريق الأحبة، قال النابغة الذبياني: (8) ... لما تزل برحالنا وكأن قدِ
أفدَ الترحل غير أن ركابنا
زعم الغراب بأن رحلتنا غدًا ... وبذاك خبَّرنا الغُداف الأسودُ
لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به ... إن كان تفريق الأحبة في غدِ
ولا يوجد أقسى من الارتحال عن الوطن على الأطفال الصغار، وقد أحس الأعشى بثقل المعاناة على كواهلهم الصغيرة اللطيفة... فحب الانتماء يرضعه الأطفال مع حبات التراب. قال الأعشى يخاطب ابنته التي أدركت عظمة الخوف من الابتعاد عن الوطن: (9) ... أرانا سواءً ومن قد يَتِمْ
تقول ابنتي حين جدَّ الرحيل
أبانا فلا رِمت من عندنا ... فأنا بخير إذا لم ترم
أرانا إذا أضمرتك البِلا ... نجفى وتقطع منا الرحم
لا تتوقف صورة الانتماء عند هذه الأشكال والأنماط بل أضفى العربي بإحساسه الفطري السليم روح الارتباط بالأرض على حيواناته ولا سيما الخيل والإبل. فقد منح الناقة القدرة على الشوق للوطن والتلهف لرؤية جباله وترابه قال المثقب العبدي مظهرًا حزن ناقته على مفارقة وطنها: (10) ... تأوه آهة الرجل الحزين
إذا ما قمت أرْحَلُها بليل
تقول إذا درَأتُ لها وَضِيني: ... أهذا دينه أبدًا وديني
(الوضين: الحزام. درأته: مددته وشددت به رجلها. الدين: الدأب والعادة) ... مع الشوق يومًا بالحجاز وميضُ