وجاور رجل من ثُمالة دريد بن الصمة بعد مقتل أخيه عبد الله بن الصمة، فأغار أنس بن مدركة الخثعمي على بني جُشم فأصاب مال الثمالي وأناسًا من ثُمالة... وشُغل دريد بحرب ولم يطلب بثأر الثمالي وإعادة ماله... وطلب من الثمالي إمهاله بعض الوقت. وذات يوم خرج لبعض حاجته فمر قريبًا من منزل الثمالي فسمعه يقول: (4) ... وجدعَّكَ الحامي حقيقته أنَسْ
كساكَ دريدُ الدهر ثوب خزاية
دعِ الخيل والسُّمر الطوال لخثعم ... فما أنت والرمح الطويل وما الفرس
فلو كان عبد الله حيًا لردّها ... وما أصبحت أبلى بنجران تُحتبسْ
ولا أصبحت عِرسي بأشقى معيشة ... وشيخ كبير من ثمالة في تعس
وكنتُ وعبدُ الله حيٌّ وما أرى ... أُبالي من الأعداء من قام أو جلس
فأصبحت مهضومًا حزينًا لفقده ... وهل من نكير بعد حولين تَلتمِس
وقال عمرو بن هبيرة موضحًا الهوان الذي يلقاه الغريب عن وطنه: (5) ... يُغَضَّبْ فتبرد غير مرضي مغاضبه
ومن تك في غير العشيرة داره
ويُنكر عليه إن أرَابَ بخُطَّة ... ولا يستطيع تنكير ما هو رائبه
هذا كله يوحي بأن الوطن العربي مجتمعه وأرضه في آن معًا دون أن تفصل أرضه حدود مصطنعة؛ وأرضه هي كل أرض يجد فيها قومًا ينطقون بلسان عربي مبين ويشاركونه ذاتيًا بوحدة الانتماء للعادات والأعراف والهدف... وإن ظهرت هذه المشاركة أحيانًا بشكلها الانفعالي. ... وصاة امرئ قاسى الأمور وجرَّبا
هكذا يظهر لنا أن أكثر ما يخيف العربي أن يصبح بعيدًا عن وطنه، شاعرًا بغربة الانتماء؛ قال الأعشى (6) :
سأوصي بصيرًا إن دنوت من البِلى
بأن لا تَبَغّ الود من مُتباعد ... ولا تنأ عن ذي بِغضة إن تقرَّبا
متى يغترب عن قومه لا يجد له ... على من له رهط حواليه مُغضَبا
ويحطم بظلم لا يزال يُرى له ... مَصَارع مظلوم مَجرًَّا ومَسحبا
وليس مُجيرًا إن أتى الحيَّ خائف ... ولا قائلًا إلا هو المُتعيَّبا