وعرف العربي ضروبًا من الانتماء للوطن تمثلت بمظاهر متعددة، وصور مختلفة وكانت القصيدة اللسان المعبر عن هذه المظاهر والصور. ومن أبرزها تعلق العربي بكينونة مجتمعه على الأرض (ممثلًا بالقبيلة) . فالنظام القبلي جزء قوي في علاقة الانتماء للعربي مهما علا الفرع؛ قال دريد بن الصمة: (1)
وهل أنا إلا من غَزِيَّة إن غوتْ
أو مهما دنا الفرع، قال عمرو بن كلثوم: (2) ... تَخِر له الجبابر ساجدينا
إذا بلغ الفِطام لنا صبي
ويؤكد هذا الارتباط قدسيته في نفس العربي؛ وهو ارتباط الجزء بالكل؛ وذوبان الفرد في المجتمع. وقد نتج من ارتباط العرب بالأرض التي يعيشون عليها وهو ارتباط بالحياة (الملأ والكلأ) . وحين ظهرت عصبيتهم لقبائلهم كانت عصبية إيجابية؛ ولا شيء أقدس عندهم من ارتباط الفرد بالقبيلة والدفاع عنها؛ لأن ذلك يعني لهم الارتباط بالحياة وبإعلاء كرامة الأفراد جميعًا... وبلغ أثر ذلك في نفوسهم أن أحدهم لم يعرف الخيانة أو الغدر فكان يفي إذا عاهد، ويقري الضيف إذا طُرق بابه، ويغيث الملهوف... ويعتز بالشجاعة كما يعتد بنفسه. فهو -وإن كان لطيفًا، عفيفًا، طيب المعشر... ينقلب ماردًا، يثور لأي سبب يهدد كرامته. فحريته أغلى من كل شيء، وهي حرية قائمة على أساس من الأرض... وما دام المرء في أرض غير أرض قومه فإنه سيلقى الهوان والذل. قال طهمان بن عمرو الكلابي يصور ما لقيه مع رجل من بني عبس في أرض مذحج: (3) ... غريبان، شتى الدار مختلفان
وإني والعبسيَّ؛ في أرض مَذْحج
وما كان غضُّ الطرف منا سجيةً ... ولكننا في مذْحج غُرُبان