ومن يكُ ذا فم مُرٍّ مريض يجد مرًّا به الماء الزّلالا
فنرى أنه ينبغي أن يسلم بجمالية لا متناهية للاستخدام القرآني، أدرك الناس ذلك أم لم يدركوا. والحق أننا نظلم الرجل إن نحن قلنا إنه ناقش، أو حاجّ، أو تطرق إليه شك في شأن من هذا القبيل. بل كان مبدؤه الذي لم يتزحزح عنه قيد أنملة أن جمال الأداء القرآني فوق كل جمال، وأن ليس في القرآن الكريم إلا الجميل. لكن يبدو أن بعض المتحذلقين الذين سقم حسهم النقدي رأوا مجانبة لفظة"ضيزى"الواردة في سورة النجم (في الذكر الحكيم) للذوق، وأنها خارجة عما يقتضيه البيان العالي، أبرأ إلى ربي من قول كهذا، ومما هو أصغر منه !. فإذا بضياء الدين يرد عليهم حذلقتهم وسقم ذوقهم. يقول في ذلك:"وهذه اللفظة التي أنكرتَها في القرآن، وهي لفظة (ضِيزى) فإنها في موضعها لا يسدّ غيرُها مسدَّها، ألا ترى أن السورة كلها، التي هي سورة النجم، مسجوعة على حرف الياء، فقال: (والنجم إذا هوى ما ضلَّ صاحبُكم وما غوى( وكذلك إلى آخر السورة، فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان يزعمه الكفار، قال: (ألكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأنثى تلك إذًا قسمةٌ ضيزى( فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة جميعها عليه، وغيرها لا يسدّ مسدَّها في مكانها. وإذا نزلنا معك، أيها المعاند، على ما تريد قلنا: إن غير هذه اللفظة أحسن منها، ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها ولا مناسبة، لأنها تكون خارجة عن حروف السورة..(45) ". وقد وقف الرافعي عند هذه الكلمة وتبين من جمالها مظاهر كثيرة، ومخايل لا يملك من يطلع عليها إلا أن يخفض جناح الإقرار والتأييد.