فهرس الكتاب

الصفحة 10102 من 23694

استبان ضياء الدين، وقد استقرى الاستخدام القرآني للمفردات، أن الذكر الحكيم يصطفي صيغًا صرفية خاصة للمفردات، يلح عليها دون غيرها في استخداماته. وحين يردد المرء النظر في أمثال هذه الصيغ المستخدمة وتُقارن بنظائرها، يدرك بعض الأسرار في إمساك القرآن بها، ونبذه غيرها. وكأن المعجم القرآني لا يأذن بالدخول من مفردات اللغة إلا لما وافق الذوق السليم، وخالط الروح، وداعب الوجدان. ويلاحظ ضياء الدين -مثلًا- الفعل"وَدَع"لا يحسن إلا حين يستخدم مستقبلًا وأمرًا، ولم يجئ في القرآن الكريم إلا كذلك، بينما جاء في الشعر العربي ماضيًا فشأنه إتيانه في هذه الصيغة. يقول ضياء الدين: "ومن هذا النوع لفظة"وَدَع"، وهي فعل ماض ثلاثي لا ثقل بها على اللسان، ومع ذلك فلا تستعمل على صيغتها الماضية إلا جاءت غير مستحسنة، ولكنها تستعمل مستقبلة، وعلى صيغة الأمر، فتجيء حسنة. أما الأمر فكقوله تعالى: (فدعهمْ يخوضوا ويلعبوا(، ولم تأت في القرآن الكريم إلا على هذه الصيغة... وأما الماضي من هذه اللفظة فلم يستعمل إلا شاذًا، ولا حسن له، كقول أبي العتاهية:"

أثّرَوا فلم يُدخلوا قبورهم شيئًا من الثروة التي جمعوا

وكان ما قدَّموا لأنفسهم أعظم نفعًا من الذي ودَعوا

وهذا غير حسن في الاستعمال، ولا عليه من الطلاوة شيء، وهذه لفظة واحدة لم يتغير من جمالها شيء، سوى أنها نُقلت من الماضي إلى المستقبل لا غير (44) "."

8-عيار ملاءمة السياق:

تنبَّه ضياء الدين إلى أن بعض المفردات القرآنية قد جَمُلَتْ كثيرًا لمناسبتها للسياق الصوتي أو التركيب الذي وردت فيه. ومن هنا فإن جمالية أمثال هذه الألفاظ ليست في ذاتها، وإنما أحرزتها بموافقتها لجاراتها في الإيقاع. والحق أن ضياء الدين، ههنا، وعى شيئًا وغابت عنه أشياء، كما يقال في سائر البشر ذوي الإدراك المحدود. ولا يجوز بحال، طبعًا، أن يكون الذوق البشري حجة في جمال الاستخدام القرآني للألفاظ.

والعرب تقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت