فهرس الكتاب

الصفحة 10096 من 23694

6-عيار الرفق في التعامل مع الحس:

يرى ضياء الدين أن أسلوب القرآن الكريم يتعامل مع الحس تعاملًا خاصًا، فهو يرفق به، ويستعمل كل وسيلة يحقق من خلالها امتاع هذا الحس، فإذا ما حدث أن استخدم الذكر الحكيم ألفاظًا متفاوتة في درجة جمالها، فإنه يؤديها إلى الحس وفق ترتيب خاص تزداد فيه جمالًا ورواء. وقد وقف ضياء الدين أمام قول البارئ جلَّ وعلا: (فأرسلنا عليهمُ الطوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضفادعَ والدَّم آياتٍ مفصلاتٍ(، فقال:"وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غصنا منه في بحر عميق لا قرار له. فمن ذلك هذه الآية المشار إليها، فإنها تضمنت خمسة ألفاظ، هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، فلما وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قدَّم فيها لفظة الطوفان والجراد، وأخرت لفظة الدم آخرًا، وجعلت لفظة القُمَّل والضفادع في الوسط؛ ليطرق السمع أولًا الحسن من الألفاظ الخمسة، وينتهي إليه آخرًا، ثم إن لفظة الدم أحسن من لفظتي الطوفان والجراد، وأخف في الاستعمال، ومن أجل ذلك جيء بها آخرًا. ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من القدرة البشرية(38) ".

ولقد وقف شيخ البيان العربي في هذا القرن الرافعي عند هذه الآية الكريمة، وتبين من أسباب الجمال فيها ما لم يتهيأ مثله لضياء الدين. ذلك أن ضياء الدين يَلمح الجمال جملة فيقول إن هذه اللفظة أجمل من هذه، ولذلك قدمت هذه وأخرت تلك الخ...، أما الرافعي فيضع يدنا على تعليل مقنع لجمال ما اعتدَّه ضياء الدين جميلًا. قد تكون طبيعة كل من الرجلين وعصره وغير ذلك من أمور مما جعله يذهب إلى ما ذهب إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت