وهو أمر مرده -فيما يرى ضياء الدين- إلى الفطرة السليمة التي تستجيد لفظًا وتنكر مرادفه مكانه، على الرغم من أنه يحمل الدلالة نفسها. ونحسب أن ذلك مرتبط في بعض نواحيه بجهة من جهات الانسجام الصوتي بين مفردات السياق، وإن كان ضياء الدين لا يسعفنا ببيان شاف لمصدر هذا الإيثار والإنكار، ويعيد ذلك إلى مجرد الفطرة الناصعة، وما يحدثه السبك من تآلف واقتراب بين الألفاظ. يقول في هذا الشأن:"ومن الذي يؤتيه اللهُ فطرة ناصعة يكاد زيتُها يضيء ولو لم تمسْسه نار حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في موضعها. ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في الاستعمال، وهما على وزن واحدة وعدة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك، وهذا لا يدركه إلا من دقَّ فهمه وجل نظره. فمن ذلك قوله تعالى: (ما جعلَ اللهُ لرجلٍ من قلبين في جوفه( وقوله تعالى: (ربِّ إنّي نذرتُ لك ما في بطني محرَّرًا( فاستعمل الجوف في الأولى والبطن في الثانية، ولم يستعمل الجوف موضع البطن، ولا البطن موضع الجوف واللفظتان سواء في الدلالة، وهما ثلاثيتان في عدد واحد، ووزنهما واحد أيضًا، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف يفعل؟(37) ". ويخيّل إلي أن الأمر يعود ها هنا إلى الدلالة الإيحائية لكل من اللفظتين، ذلك أن مادة كل منهما تختلف بعض الاختلاف عن مادة اللفظة الأخرى. فمادة"الجوف"توحي بالضمور والخلوّ والانحسار والعمق، وخاصة بما يرسمه الجيم وبعده الواو الساكن ثم الفاء من دلالة إيحائية، على عكس مادة"البطن"التي توحي بالنتوء والبروز والانكشاف، وهي أنسب للحمل من مادة الجوف؛ فالجنين المكنَّى عنه بقوله تعالى على لسان مريم -عليها السلام-:"ما في بطني"يناسبه كثيرًا النتوء والبروز والانكشاف، مثلما هي حال"الحامل"، ويناسبه، تبعًا لذلك، لفظ"بطن"دون"جوف".