فهرس الكتاب

الصفحة 10094 من 23694

امتاز القرآن الكريم بلغته السهلة الممتنعة التي يدرك عامة الناس - على تفاوت حظوظهم -شيئًا من دلالتها. وحتى صبيان الكتاتيب يأنسون في أنفسهم قدرًا من الفهم لمدلولات ألفاظ الذكر الحكيم، فإن عزَّت الدلالة الدقيقة عضدتها الدلالة الإيحائية المتأتية من رسم ألفاظ القرآن الكريم جزءًا من دلالتها بإيحائها الصوتي وشعاع نورها، الذي يغزو الروح الصافي، فيتلقاه تلقي الظامئ باردَ الماء. يقول الرافعي:"وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة، وأثرها طبيعي في كل نفس، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كل نفس تفهمه، وكل نفس لا تفهمه، ثم لا يجد من النفوس على أي حال إلا الإقرار والاستجابة، ولو نزل القرآن بغيرها لكان ضربًا من الكلام البليغ الذي يطمع فيه أو في أكثره، ولما وجد فيه أثر يتعدى أهل هذه اللغة العربية إلى أهل اللغات الأخرى، ولكنه انفرد بهذا الوجه للعجز (35) ".

أما ضياء الدين فقد عدَّ هذه الصفة في القرآن الكريم من مخايل اللغة الجميلة والبيان العالي. وكأنَّ مكمن الجمال ههنا سرعة انجلاء الدلالة لعقل المتلقي وغزوها لقلبه دونما إذن، والحق أن لسهولة الفهم هذه أسبابًا كثيرة في كلام المنشئ، وقف النقد العربي عندها كثيرًا، وعدها عنصرًا لا يستغنى عنه فيما يسمى بليغًا من الكلام. وقد تبين ضياء الدين آثار ذلك في لغة القرآن الكريم. يقول معلقًا على لغة فاتحة الكتاب المبين:"وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدناها سهلة قريبة المأخذ، يفهمها كل أحد حتى صبيان المكاتب وعوّام السوقة، وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة؛ فإن أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامة معناه، وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها (36) ".

أ-عيار ملاءمة المقام:

أساس القضية هنا أن بعض الألفاظ أحق من مرادفها في أن تقع في جملة من الجمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت