فلفظة"آجر"مبتذلة جدًا، وإن شئت أن تعلم شيئًا من سر الفصاحة التي تضمنها القرآن، فانظر إلى هذا الموضع، فإنه لما جيء فيه بذكر الآجر لم يذكر بلفظه ولا بلفظ القرمد أيضًا، ولا بلفظ الطوب الذي هو لغة أهل مصر؛ فإن هذه الأسماء مبتذلة، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر، وهو قوله تعالى: (وقال فرعونُ يا أيّها الملأُ ما علمْتُ لكم من إلهٍ غيري فأوقِدْ لي يا هامانُ على الطِّينِ فاجعل لي صرحًا( فعبر عن الآجر بالوقود على الطين(33) ". والحق أن مجافاة اللفظة المبتذلة للذوق وعدم جماليتها أمر يرجع فيه إلى الجبلة البشرية، حيث يأنف الإنسان إلى ما طال وروده على حواسه في صورة واحدة. ويعمد الذكر الحكيم ههنا وفي مواضع كثيرة إلى الكناية، وهي ضرب من البيان العالي الذي يذهب بالنفس كل مذهب، ويحدث فيها أقصى قدر من التأثير. ولقد تبين المرحوم الرافعي في الاستخدام القرآني لهذه الصورة وجوهًا من المعاني والأغراض مما لم يلم به ضياء الدين، ولا اقترب منه."