والحق أن ضياء الدين يذهب في الإدراك الجمالي للألفاظ مذهبًا بعيدًا، ربما لا نعثر عليه عند جمهور السابقين من الناقدين والأدباء، وانفرد بآراء سجلها له الذين تأخروا عنه، وكتب لهم أن يفيدوا منه. ونجدنا مدعوين إلى الإقرار بأن من أجمل ما سمعنا، في شأن إدراك المتلقي لدلالات التعبير وجمالياته وما يولده الكلام من صور، قول هذا العالم الأريب:"اعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابه ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين وأخلاق ولطافة مزاج. ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلاموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد، وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهن غلائل مصبّغات، وقد تحليّن بأصناف الحلي (19) ".