ويحدد ضياء الدين أداة الحكم الجمالي على ألفاظ اللغة بـ"الذوق"، فحكومة الذوق هي التي ترضى في مذهب الرجل، وما استحسنه الذوق السليم هو الحسن. يقول:"واعلم، أيها الناظر في كتابي، أن مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم، الذي هو أنفع من ذوق التعليم. وهذا الكتاب -وإن كان فيما يلقيه إليك أستاذًا، وإذا سألت عما يُنتفع به في فنه قيل لك هذا- فإن الدُّربة والإدمان أجدى عليك نفعًا، وأهدى بصرًا وسمعًا (16 ) ) . وعند ضياء الدين أنه لا يجوز التقليد إطلاقًا في شأن الحكم على مفردات اللغة بالجمال والقبح، والجمال مادي"فيزيقي"غير عزيز إدراكه على من أوتي ملكة التذوق السليم. وإذا كان الناس قد درجوا على عادة استحسان ما استحسنه الأجداد واستقباح ما استقبحوه فإن ضياء الدين لا يكيل بكيلهم، ولا يحطب بحبلهم، بل ينبغي عنده أن يُتلمس الجمال ويُتذوَّق. يقول:"فإن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب؛ لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال، وإنما هو شيء له خصائص وهيئات وعلامات، إذا وجدت عُلم حسنُه من قبحه (71) ". ويعمد ضياء الدين إلى المقايسة ابتغاء أن يقنع قارئ كتابه بـ"حسية"الجمال اللغوي وإمكان تصيده. وما دام الناس متباينين في درجة استيعابهم جمال الأشياء تبعًا لأسباب متعددة موروث ومكتسب، وما داموا جميعًا على حظ -كبير أو قليل- من إدراك النغمات والطعوم فلا بأس في قياس ضرب من جمال يدرك بحاسه على ضرب يدرك بحاسة أخرى. يقول:"ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار، وصوتًا منكرًا كصوت حمار، وأن لها في الفم أيضًا حلاوة كحلاوة العسل، ومرارة كمرارة الحنظل، وهي على ذلك تجري مجرى النغمات والطعوم (18) "."