ويستحمق ضياء الدين من ينكر جمالية المفردة، ويذهب إلى أنه لا فضل لمفردة على أخرى، ويرد عليه بعنف، ويدعوه إلى الاحتكام إلى الحس السليم المدرب الذي لا يشك في تمييزه وصواب حكمه وقراره. يقول:"وقد رأيت جماعة من الجهال إذا قيل لأحدهم إن هذه اللفظة حسنة وهذه قبيحة أنكر ذلك، وقال: كل الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنًا، ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة الغصن ولفظة العُسلوج، وبين لفظه المُدامة ولفظة الاسفَنط، وبين لفظة السيف ولفظة الخَنشَليل، وبين لفظة الأسد ولفظة الغَدوكس، فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه... وما مثاله في هذا المقام إلا كمن يسوي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد شوهاء الخَلْق ذات عين محمرة وشفة غليظة كأنها كِلوة وشعر قَطَط كأنه زبيبة، وبين صورة رومية بيضاء مشربة بحمرة، ذات خد أسيل، وطرف كحيل، ومبسم كأنما نُظم من أقاح، وطرَّة كأنها ليل على صباح، فإذا كان بإنسان من سَقَم النظر أن يسوي بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين هذه الألفاظ وهذه، ولا فرق بين النظر والسمع في هذا المقام، فإن هذا حاسة وهذا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب (20) ".
ومثل ضياء الدين ينبغي أن يكون عنده مثل أعلى جمالي في البيان. ولقد كان هذا المثل الأعلى عنده كتابَ الله عزَّ وجلّ. فهو الأسوة الحسنة، والمثال الذي ينبغي أن يُحتذى في فصاحته وسهولته ويسر لغته. يقول ضياء الدين:"وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى، الذي هو أفصح الكلام، وجدناه سهلًا سلسًا، وما تضمنه من الكلمات الغريبة يسير جدًا."
هذا، وقد أنزل في زمن العرب العرباء، وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ، وأقربها استعمالًا. وكفى به قدوة في هذا الباب، قال النبي (( ) :"وما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثلَ أمّ القرآن، وهي السبع المثاني"، يريد بذلك فاتحة الكتاب (21) "."