لا نجد بليغًا في العربية -سواء أكان ممن دانوا بالإسلام أم ممن لم يدينوا به لم يطعَم من مائدة القرآن الكريم زادًا من البيان العالي الذي تستطيع أن تتبين سيماؤه فيما ترك من نتاج. ولن يحتاج المرء إلا إلى قليل من النظر ليقف عند آثار القرآن فيما خلَّف كبار الكتَّاب وعظماء الشعراء. فلقد أسلمت هذه الأمة مقادتَها لبلاغة القرآن، وكان مقدار الاستجابة لهذا الكتاب المبين وللدين الجديد بين قبائل العرب موازيًا لحظوظها من الفصاحة والبلاغة، وعَنَت وجوه الرجال لذي العزَّة صاحب الكتاب بمقدار نصيب الواحد منهم من اللّسَن والبيان. ولقد أحسن الرافعي -رحمه الله- التعبير عن قيادة القرآن لأمة العرب وتأثيره في فطرتها في قوله:"ومن أين له (أي للقرآن الكريم) إلا أن يأتي الفطرة التي هي أساس هذه كلها، فيملكها، ثم يصوغها، ثم يصرفها؛ فإن الذي لا يدفع الطبع لا يدفع الرغبة، ومن لم يقد الأمة من رغائبها لم يقد في زمامه غير نفسه، وإن كان بعد ذلك من كان، وإن جهد، وإن بالغ (9) ".