أما المنهل الثاني الذي نهل منه ضياء الدين فقد كان الشعر العربي، وفي أخباره أنه استظهر كثيرًا من أشعار الفحول، الذين شرعوا طريقة النظم للعرب، ومهدوا السبيل لمن أتى بعدهم. وابن الأثير يحسن الإفادة من هذه الأشعار. وقد كان حس الانتقاء عنده قويًا، ومن هنا قرأ كل أشعار العرب. واختار منها ما آنس فيه تقوية لملكة البيان. وفي معرض حديثه عن"جوامع الكلم"، التي هي إحدى ثلاث أوتيها النبي (( ) ولم يؤتها أحد من قبله، يقول:"وقد ورد شيء من ذلك في أقوال الشعراء المفلقين، ولقد تصفَّحت الأشعار قديمها وحديثها، وحفظت ما حفظت منها، وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد له نشوة كنشوة الخمر، وطربًا كطرب الألحان، وكثير من الناظمين والناثرين يمر على ذلك ولا يتفطن له، سوى أنه يستحسنه من غير نظر فيما نظرت أنا فيه، ويظنه كغيره من الألفاظ المستحسنة (6) ". لقد وضع ضياء الدين نصب عينيه أن يكون أميرًا من أمراء البيان العربي، فعكف على دراسة آثار الأئمة السابقين مستفيدًا منهم ما هدتهم إليه عبقريتهم ونبوغهم. ولكنه لم يقف عند الغاية التي جروا إليها، بل كان شاغله أن يضيف إلى ما أتوا به، ويثري ديوان البيان العربي بنتائج تجتليه العيون شرقًا وغربًا. والحقّ أن ضياء الدين كان يعيش تحت وطأة إحساس من أراد أن يكون معلِّمًا لصناعة البيان وراسمًا لخطوطها الأساسية. ولا غرابة بعد هذا أن نجد بين أسماء مصنفاته كتابه المشهور"المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر". فقد هدف إلى أن يرسم معالم الطريق لمن يريدون أن يسلكوا. وهو كتاب يدرك الباحثون اليوم قيمته الحقيقية ومنزلته بين كتب البلاغة والنقد العربية. أما القدماء فقد شهدوا بقيمته. وعرفوا لصاحبه صنيعه الطيب. يقول ابن خلكان في هذا الكتاب:"وهو في مجلدين جمع فيه فأوعى، ولم يترك شيئًا يتعلق بفن الكتابة إلا ذكره (7) ".