تلقى ضياء الدين ثقافة ممتازة، وتبين العناصر الأساسية لثقافة من يريد أن يكون كاتبًا للدولة، وأدرك أن المعين الأول الذي ينبغي أن يستقي منه إنما هو القرآن الكريم والأحاديث النبوية ودواوين فحول الشعراء. فهذه خير ما يرجع إليه من وجد في نفسه قابلية للتأدب بأدب الدرس وأدب النفس. ولقد أفادته مزاولة الكتابة الشيء الكثير مما كان عصيًّا على أقرانه أن ينالوا منه إلا اليسير. فهو يقول:"ولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها، وأظفرتني بكنوز جواهرها، إذ لم يظفر غيري بأحجارها. فما وجدت أعون الأشياء عليها إلا حل آيات القرآن الكريم والأخبار النبوية، وحل الأبيات الشعرية (4) ". كان الذكر الحكيم الأساس الذي شيَّد عليه ضياء الدين طريقته البيانية، وتميز به عن كل من عالج الكتابة، وجرى منها على عِرق، ولضياء الدين تعامل خاص مع كتاب الله تعالى، وهو يحدده على هذا النحو:"واعلم أن المتصدي لحل معاني القرآن يحتاج إلى كثرة الدرس: فإنه كلما دِيم على درسه ظهر من معانيه ما لم يظهر من قبل، وهذا شيء جربته وخبرته، فإني كنت آخذ سورة من السُّور وأتلوها، وكلما مرَّ بي معنى أثبته في ورقة مفردة، حتى أنتهي إلى آخرها، ثم آخذ في حل تلك المعاني التي أثبتها واحدًا بعد واحد، ولا أقنع بذلك حتى أعاود تلاوة تلك السورة، وأفعل مثل ما فعلته أولًا، وكلما صقلتها التلاوة مرة بعد مرة، ظهر في كل مرة من المعاني ما لم يظهر في المرة التي قبلها (5) ".