ويعود إقبال في قصيدة له بعنوان"صدر الشاعر"يتغنى بمزايا القلب الشاعر فهو يخلق ربيع الأمل ويرعاه، وهو يجلو أسرار الجمال والحسن وهو بالإلهام يدل الناس عليها ويضفي بغنائه فوقها نورًا جديدًا يرفعها من العالم الواقعي إلى العالم المعنوي والروحي. وهكذا تزداد الطبيعة من سحر بيانه فتنة ويتعلم الهزار من نفثاته التغريد وتصطبغ من لون دمه وجنات الورود وكذلك تلتهب في ناره أفئدة الفراشات. البر من صلصاله والبحر من مائه بل مئات العوالم نضرة مكنونة في فؤاده. يجالس بفكره القمر والنجوم. لا يعرف شيئًا غير الجميل، ساذج بسيط خالص الطوية. ولكن ويح قدميه! لقد كلّتا من السير الطويل في طريق الوصول، ومع ذلك فإن إيقاع ألحانه يضمن له الهدوء والأمان. ثم إن العشق فن من فنون أساطيره وألحانه.
هذا ولكن أكثر الناس نيام لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها فهيهات أن يلحقوا"بمأدبة العشق"كما يسمي إقبال قصيدة له بهذا العنوان وأن يدركوا ما فيها من عرفان. يتلاقى النرجس والخزامى وأنفاس الأرض كلها في هذه المأدبة ولكنها جميعًا مع جمالها ليس لها حرقة القلب ولا نظرة الطرب لأنها لا قلوب لها. وفي الحانة تملأ الخمر القوارير وهي خمر المحبة الحقيقية محبة الإنسان للإنسان ولا يوجد لها من شارب.
وقد تتجلى الحقيقة ويومض برقها مثلما تلامحت النار في طور سيناء قديمًا ولكن ليس في الوادي الأيمن من يجدّ في الطلب ولا بين هؤلاء من يحسن الإفصاح عن الشوق الأبدي. ثم تتعالى في الختام صيحات شاعرية في المأدبة تثير النشوة في نفوس الحضور وتحملهم على الصياح والتواجد والانجذاب والتهتك في العشق.
وخاتمة هذه القطعة الشعرية تذكرنا بيتًا جميلًا هو مستهل قصيدة للشيخ سعدي الشيرازي نظمها بالعربية وهو:
تعذر صمت الواجدين فصاحوا