فهرس الكتاب

الصفحة 10063 من 23694

وينبه إقبال على أن الحركة قد تعرض صاحبها للخطر. ولكن للخطر والجرأة في الحركة قيمة أعلى من مجرد الإخلاد إلى الراحة والسكون والأمان. ففي قصيدة خامسة بعنوان"قيمة الخطر"يصور غزالًا يخشى الصُيّاد في معيشته الحرة بالصحراء حيث يكمنون له ويقعدون بالمرصاد فيُسِرّ إلى غزال آخر برغبته في اتخاذ الحرم المقدس كناسًا له وفيه يأمن أن يصاد لأنه لا صيد في الحرم وعندئذ يحرر قلبه من صنوف الخوف والحذر والعناء. بيد أن صاحبه لا يرضى له بهذا الخمول ولو عاش في جوف الحرم فيقول له:"عش في الخطر إن كنت ذا إرادة فالخطر محك لقيمة الكائن أنى كان. ولكن كن في الحذر أرهف من سيف نقيّ الجوهر. إن الخطر امتحان للمقدرة والطاقة ومجال لإبراز الممكنات وتحقيقها روحية وطبيعية".

هذه الأمور كلها هي من السنن الطبيعة. ولكن الأمور تغيرت بنشوء النوع الإنساني أي"ميلاد آدم". وهذا عنوان قصيدة لإقبال يصور فيها تصويرًا بارعًا هذه الثورة التي انبعثت من خلق آدم في الطبيعة. إذ ظهر فيها من ينظر بعين العقل والتأمل فيقدر الجمال والمحاسن المبثوثة ويرتعش قلبه وتتقرح كبده بالحب. إن الطبيعة تسيطر عليها قوانين الضرورة وعلاقاتها. ولكن هذا المخلوق الجديد مخلوق حرّ مختار يعجب بنفسه وقد يحطمها. من صفاته أيضًا الجرأة والجسارة. لقد سرى خبرٌ عند خلقه من قبّة الفلك الدوار في رواق الأزلية ونداء أن يا أيتها الكائنات المحتجبة بقيود الجبر والاضطرار قد آن أن تتحركي بفعل هذا المخلوق الجديد الجسور. وهكذا ابتسم أمل الحياة الطبيعية وتفتح ناظراها للحركة وللعمل المجدي الكريم بعد أن كانت ساكنة راكدة. فنشأ بذلك عالم آخر شديد الحركة والسير. قالت الحياة: لقد اختلجت في جوف الأرض دهرًا حتى ظهر من قبة الفلك العتيق هذا المخلوق فشق لي طريقًا وفتح لي بابًا جديدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت